ونيس المبروك : هدم الأضرحة والقبور علة في القصد والبصيرة ، أم خطأ في التعبير والوسيلة ؟

في قسم : الخلاف و آدابه | بتاريخ : الأربعاء, 5 سبتمبر 2012 | عدد المشاهدات 648

قد يكون من التكلف سرد أدلة الفريقين ، وتبويب حججهم بمعزل عن تحرير محل النزاع ،ومعالجة بواعث هذا الأمر، والتدبر في منهجية الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بقوة السلاح.

كم نحن في حاجة لتسليط الضوء على بعض الزوايا ،والمدخلات لهذا الموضوع،ومخاطبة المعنيين بهذا الأمر،فليس من المهم كثيرا اشغال القاريء بالنصوص المجردة ،لأننا اليوم في زمن ” شبكة المعلومات ” وأمير محدثيها جوجل (google ) ومن السهل تسويد عشرات الصفحات بالأحاديث الصحاح أو الحسان ، واستنطاق بطون كتب الثراث، ثم تدوين قائمة من النصوص التي تناصر حجة أحد الطرفين على الآخر ، بل لا أبالغ إن قلت إن هذا المسلك الحرفي الظاهري هو أحد العلل التي أفضت بخطابنا الدعوي والفقهي والسياسي لما نحن فيه اليوم !.

ونشير أنه ينبغي تأكيد أمر مهم وهو : إن كل أهل القبلة من المسلمين يتفقون على أن الشرك هو الظلم العظيم ، والمنكر الأكبر ، وأن التوحيد الخالص هو أول مقتضيات الإيمان بالله تبارك وتعالى ، وأن من شرائع الإسلام ولطائف التنزيل سد الذرائع أمام كل محرم ،فضلا عن الشرك والكفر.

وشعبنا الليبي شعب مسلم أصيل ؛ يوحد ربه ، ويستن بسنة رسوله ، ويعتز بدينه ،…وينبغي أن نحسن الظن بالناس ، فالمسلم لا يقع في أي لون من ألوان الشرك ، إلا جاهلا أو متأولا ….

وهذا لا يعني – بطبيعة الحال – أن صفة الإسلام تمنع من وقوع المسلم في الخطأ أو مقارفة الخطيئة ، بل قد يرتكبها بدافع الجهل والتأويل ، أو يُساق إليها بحبائل التضليل والتزيين ، ويجب على إخوانه المسلمين- حينها – أن يخلصوا له النصح ، ويبينوا له الخطأ بالحجة والبرهان ، وبالحكمة والموعظة الحسنة ، وبالرفق واللين ، ولا يسارعوا لنعته بأوصاف التفسيق والتضليل والتبديع .

ولهذا فإني لا أرى أن هناك معسكرا للتوحيد وآخر للشرك ، وفريقا لأهل السنة والجماعة ،وآخر لأهل الفرقة والضلالة ، أو أن من يهدمون القبور هم (أنصارالله) ، ومن يمنعونهم من فعل ذلك هم ( أعداء الله ) كما وصفهم الشيخ المدخلي- عفاالله عنه – في التسجيل المشهور !!

بل كلا الفريقين مسلمون موحدون ،…. بعضهم دفعته الغيرة على هذا الدين والحرص على صفاء التوحيد ، وكراهته للبدع والخرافات ، فترجم هذه الغيرة وذاك الحرص ، تفجيرا وهدما لمقامات الأولياء ونبشا لقبور من فيها .

والآخر دفعته محبة الأولياء والصالحين ،والتبرك بآثارهم وقبورهم ، لتشييد البناء حولها لتمييزها عن غيرها واتخاذها مزارا .

وكلاهما – في تقديري – قد حالفه التوفيق في النية والمقصد ،… وجانبه الصواب في الوسيلة والتعبير .

وأول الطريق هو دعوة كلا الفريقين لفهم بواعث الآخر وحججه ، بعيدا عن التكفير والتفسيق ، وعلى بساط من احسان الظن والتماس العذر ، والترفق في الوعظ والنصح .وترك الفصل – بعد ذلك- لسلطان الدولة ومؤسساتها المعنية ، من بعد التشاور مع علماء البلاد وأعيانها .

وأود تذكير إخواني الشباب ببعض الأمور :

إن بناء الأضرحة ومقصورات القبور على هذا النحو ، هي مسألة منتشرة في كل ربوع الدول المسلمة ،و ضاربة في عمق تاريخنا الإسلامي ، الذي تجّمع فيه الخطأ والصواب ، والإساءة والإحسان في شتى الميادين ، فتكّون نسيجه الفكري والفقهي والاجتماعي من خيوط رفيعة متداخلة من الاجتهادات . وحري بكل متصدر للإصلاح ، وراغب في النهي عن المنكر ، أن يتفهم تشكّلات هذا الوعي ، ويشخص الواقع عن كثب ، ولا يكتفي بحفظ نص صحيح ، ظنا منه بأنه قد أوتي الرشد والسداد ، فالدعوة إلى الله تعالى ضرب من طب القلوب والعقول ، ولايكفي الطبيب أن ( يحفظ ) أسماء الأدوية ، وأوصاف الأمراض والعلل ، فيعطي الدواء صحيحا – كما حفظه – دون معاينة لضغط المريض ، ومعرفة سنه ، وحساسيته من بعض الأطعمة أو اختلاط بعض الأدوية، ..وغير ذلك مما قد يقلب الدواء داء ، … ولعل هذا ما حدا بالنبي صلى الله عليه وسلم أن يترك بعض الأفعال الحسنة مخافة مآلها السيء ، ويقتصد في بعض السنن والآداب مخافة أن تُفرض على أمته ، بل هذا ما أوصى به القرآن من النهي عن سب ( اللات والعزى ) مخافة أن يفضي هذا المسلك لسب الله تبارك وتعالى ،…. ومن مجموع النصوص واستقراء الأحكام ، تكونت لدى العلماء قواعد وضوابط في فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛من حيث شروطه وضوابطه ، موجباته وموانعه ، رخصه وعزائمه، دعاته ومدعووه!

ولهذا يجب أن يعرف هؤلاء الشباب أن الإسلام لم يبين لنا المعروف والمنكر فقط ، بل علمنا ( كيف ) نأمر بهذا المعروف وننهى عن المنكر ،ويبنغي أن ندعوا للسنة ولكن بالسنة ، وأن مجرد معرفة الأحكام هو نصف المهمة والطريق ، ولا يمكن أن يتحقق الغرض الأتم إلا باكتمال النسق العام، فتطبيق الشريعة لا يقتصر على تطبيق أحكام وتعاليم جزئية مبتوتة الصلة عن سياقها وسباقها ، مقطوعة النسب عن أصول الشريعة وكلياتها ،… فهذا الطريق لا يوصل لمقاصد التشريع وثماره ، مالم يصاحبه فهم دقيق عميق للظرف والواقع ، وما يحيط بهذا الواقع – ويسبقه- من عوارض وخصوصيات ، واستقبال لمآلات التطبيق وآثاره ، وإلا فإن ميزان العدل سيضطرب ويختل ، ونسيج الاجتهاد سيتمزق وينسل .

أنا أعلم صعوبة هذا الطريق على جمهور الشباب ، لأنه يحتاج للعلم والفهم والفقه ، وهذا ما لايصبر عليه إلا المثابر المجاهد ، ولكن لا بد أن يصارح هؤلاء الشباب الطيب أنفسهم ؛ هل هم حريصون على تغيير الواقع وإصلاحه وفق منهاج السنة ؟.. أم غاية مطلبهم إقناع أنفسهم بأنهم فعلوا ما يؤمرون به ، وطمسوا المكروه والمنكر بأيديهم وسلاحهم .ولو أدى ذلك لقتل الأبرياء،وتخويف الناس ، وهدم الممتلكات واستباحة هيبة الدولة وسلطان قانونها .

أيها الشباب ، والله نحن لا نشكك في نواياكم ، ولا نطعن في صدق مقاصدكم ، ولا غيرتكم على هذا الدين وعقيدة المسلمين ، ولكن للأمر بالمعروف فقه ، وللدعوة إلى الله تعالى سبيل ؛ فتعرفوا على ذاك الفقه ، واسلكوا هذا السبيل ، فإنه لا يكفي لإزالة المنكر ظاهر النهي عنه ، وحيازة السلاح ، وامتلاك القوة كما قال بعض الشيوخ !؟

وعليكم أن توقنوا أن استخدامكم لقوة السلاح سيكون ذريعة سهلة لتنفير عامة الناس من التدين وأهله ، وقد يستغله بعض الدهاة من الساسة لتقديم أنفسهم للشعب كبديل وحيد للتطرف – بزعمهم – أويستخدمونه حجة للإستقواء بالغرب ، ودمجه كعنصر أساسي لأمن الدولة واستقرار المجتمع ، … ومالعراق عنكم ببعيد !!

وأود قبل نهاية مقالتي هذه عرض جملة من الوصايا العملية القريبة، لعلها تسهم في معالجة الأمر أو التخفيف منه :

1- توحيد الخطاب الإعلامي بصدد هذه الظاهرة ، والخروج برسالة إعلامية ناضجة متزنة تعالج هذه الظاهرة دون تسفيه أو تحريض ، وتجنب الاستغلال السياسي والمذهبي لمثل هذه الظواهر ،والتوقف عن تهويل أخطاء بعض الشباب أوتعميم ذلك وتدويله، لكسب موقف أو نصرة تيار ما .

2- توجيه الأئمة والخطباء لمضامين هادفة ،ومعالجات وسطية متبصرة ، لعرضها على المنابر ، وتنزيه المساجد والمنابر من لغة السب والشتم ، أوتجريح الأشخاص والهيئات .

3- عقد سلسلة من الندوات والمؤتمرات الجامعة ، في أكثر من مدينة ، وتقديم ورقات علمية لمعالجة هذا الملف وغيره من الملفات ،التي لم تعرض زمن الاستبداد وتكميم الأفواه ، على أن تشمل هذه الندوات التطرق للجانب العقدي والفقهي والدعوي والتاريخي والاجتماعي لأي ظاهرة ،…………. شريطة أن يفسح المجال لكل الآراء- حتى من خارج الوطن – للحوار العلمي البناء .

4- أن لا تتسرع الجهات الرسمية بنسبة هذه الأعمال لأي فصيل إلا بعد تمام البينة ، وأن تبادر عبر وزارة الخارجية الليبية بمتابعة ما قام به بعض مواطني الدول الأخرى من تصدير فتاوى تحض على القتل والفتنة، وتمس بشكل مباشر السلم الاجتماعي في ليبيا ، أو تسفه المخطيء وتحرض الناس عليه ،فهذه مسؤولية الدولة ويجب أن تحمي الدولة ذلك .

5- توفير الحماية للمساجد والأماكن التي يتوقع إلحاق الضرر بها ، حتى تبت الدولة في شأنها . وعدم ترك مسؤولية حمايتها للمواطنين .

وفي الختام ، فقد حز في نفسي ما حدث وتألمت له ، ولكني متفائل بمستقبل البلاد ، ونجاح ثورتها ، لسبب واضح وسهل ، وهو أن الحرية قد تغري بعضنا بالخطأ والعدوان ، ….ولكنها – هي وحدها- البيئة التي ينمو فيها النافع والضار من الأفكار ، وتتسابق فيها المواهب دون قيود وآصار ، وسيبقى جمهور المسلمين ، وماحباهم الله تعالى به من دين وعقل ، هم الحكم والشهداء على كل صالح وطالح ، والمثمن لكل غث وسمين .

يقول ربنا جل شأنه:

(فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال ).

———————————

[1] – حديث مسلم : يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض وجعلت لها بابين ……”

[1]- قوله تعالى ” ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ، فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون ” آية 17 سورة الأنعام