مقدمات في العقيدة

في قسم : في المنهج | بتاريخ : الأحد, 24 يونيو 2012 | عدد المشاهدات 523


بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمات

1. تعريف العقائد :

العقائد : هي الأمور التي يجب أن يصدق بها قلبك ، وتطمئن إليها نفسك ، وتكون يقيناً عندك ، لا يمازجه رب ، ولا يخالطه شك .

2. درجات الاعتقاد :

والناس في قوة العقيدة وضعفها أقسام كثيرة ، بحسب وضوح الأدلة ، وتمكنها من نفوس كل قسم ، ولنوضح لك هذا المقام بضرب المثال الآتي :


لو أن رجلاً سمع بوجود بلد لم يره ، كاليمن مثلاً ، من رجل آخر غير معروف بالكذب ، فإنه صدق بوجود هذا البلد ويعتقده ؛ فإذا سمع هذا الخبر من عدة رجال زاد به ثقةً ، وإن كان لا يمنعه ذلك من أن يشك في اعتقاده إذا عرضت له الشبهات. فإذا رأى صورته الفوتوغرافية زاد اعتقاده بوجوده ، وأصبح الشك متعسراً عليه أمام قوة هذا الدليل . فإذا سافر وبدت له أعلامه وبشائره زاد إيقانه وزال شكه ، فإذا نزله ورآه رأي العين ، لم يعد هناك مجال للريبة ، ورسخت في نفسه هذه العقيدة رسوخاً قوياً حتى يكون من المستحيل رجوعه عنها ولو أجمع الناس على خلافها . فإذا سار في طرقه وشوراعه ، ودرس شئونه وأحواله ازداد به خبرة ومعرفةً ، وكان ذلك أمراً واضحاً لاعتقاده زائداً عليه .


إذا علمت هذا فاعلم أن الناس أمام العقائد الدينية أقسام كذلك : منهم من تلقاها تلقيناً ، واعتقدها عادة ، وهذا لا يؤمن عليه من أن يتشكك إذا عرضت له الشبهات . ومنهم من نظر وفكر فازداد إيمانه ، وقوي يقينه ، ومنهم من أدام النظر وأعمل الفكر ، واستعان بطاعة الله تعالى وامتثال أمره ، وإحسان عبادته ، فأشرقت مصابيح الهداية في قلبه ، فرأى بنور بصيرته ما أكمل إيمانه وأتم يقينه ، وثبت فؤاده : ( والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم ) [محمد : 17] .

وإنما ضربنا لك هذا المثل لترقى بنفسك عن مواطن التقليد في التوحيد ، وتعمل الفكر في تفهم عقيدتك ، وتستعين بطاعة مولاك في معرفة أصول دينك حتى تصل إلى مراتب الرجال ، وتترقى في مدارج الكمال .

قد رشحوك لأمر لو فطنت له

فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

3. تقدير الإسلام للعقل :

أساس العقائد الإسلامية – ككل الأحكام الشرعية – كتاب الله تعالى ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

ويجب أن تعلم ، مع ذلك ، أن كل هذه العقائد يؤيدها العقل ، ويثبتها النظر الصحيح ؛ ولهذا شرف الله تعالى العقل بالخطاب ، وجعله مناط التكليف ، وندبه إلى البحث والنظر والتفكير ، قال الله تعالى : ( قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ) [يونس: 101(1)] . وقال تعالى : ( أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج والأرض مددناها وألقينا فها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب ونزلنا من السماء ماء مباركاً فأنبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقاً للعباد وأحيينا به بلدةً ميتاً كذلك الخروج ) [ق:6 – 11] وذم الذين لا يتفكرون ولا ينظرون فقال تعالى : (وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ) [يوسف : 105] ، وطالب الخصوم بالدليل والبرهان حتى فيما هو ظاهر البطلان ، تقديراً للأدلة ، وإظهاراً لشرف الحجة . وقد ورد في الحديث أن بلالا جاء يؤذن النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة الصبح ، فرآه يبكي فسأله عن سبب بكائه ، فقال : ” ويحك يا بلال ! وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل الله علي في هذه الليلة ( إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب ) ثم قال : ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها ” رواه ابن أبى الدنيا في كتاب ( التفكر )(2).

ومن هنا نعلم أن الإسلام لم يحجر على الأفكار ولم يحبس العقول ، وإن أرشدها إلى التزام حدها ، وعرفها قلة علمها ، وندبها إلى الاستزادة من معارفها ، فقال تعالى : ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ) [ الإسراء :85] ، وقال تعالى : ( وقل رب زدني علماً) [طه : 114] .

4. أقسام العقائد الإسلامية :

العقائد الإسلامية تنقسم إلى أربعة أقسام رئيسية ، تحت كل قسم منها فروع عدة :

القسم الأول : الإلهيات ، وتبحث فيما يتعلق بالإله سبحانه وتعالى من حيث صفاته وأسمائه وأفعاله ، ويلحق بها ما يستلزمه اعتقاده من العبد لمولاه .

القسم الثاني : النبوات ، وتبحث في كل ما يتعلق بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم من حيث صفاتهم وعصمتهم ومهمتهم والحاجة إلى رسالتهم ، ويلحق بهذا القسم ما يتعلق بالأولياء رضوان الله عليهم ، والمعجزة والكرامة ، والكتب السماوية.

القسم الثالث : الروحانيات ، وتبحث فيما يتعلق بالعالم غير المادي : كالملائكة عليهم السلام والجن ، والروح .

القسم الرابع : السمعيات ، وتبحث فيما يتعلق بالحياة البرزخية ، والحياة الأخروية : كأحوال القبر ، وعلامات القيامة ، والبعث ، والموقف ، والحساب ، والجزاء .




(1) أي من الآيات الدالة على وحدانية الله تعالى . ( وما تغنى الآيات) : أي الدلالات ( والنذر ) : أي الرسل صلوات الله وسلامه عليهم .

(2) ابن حبان في صحيحه (523) .