أنس الفيتوري : القضاء على الفساد ليس أقل أهمية من توفير الأمن

في قسم : أقلام وآراء | بتاريخ : الأحد, 16 مارس 2014 | عدد المشاهدات 451

أنس الفيتوري

ربما يغيب عن رجل الشارع تقدير تأثير الفساد على الأمن و الاستقرار، وقد تذهب به أحاديث الساسة عن الرؤى لتحسين الأوضاع أمنيا وماديا بعيدا عن تقدير عمق هذه الإشكالية وتأثيرها على مشروع إعادة تأسيس الدولة بشكل صحيح.

وعندما نرجع إلى ما قبل الثورة ,ونقرأ الحالة الليبية نجد أن مشهدها السياسي مختزل في طغمة حاكمة متفردة بمصير الشعب نشأت حولها شبكات اقتصادية واجتماعية أحالت موارد البلاد إلى عمليات تجارية تغذي مصالح تلك المجموعات.

محصلة ذلك ترد في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ظاق الشعب منه ذرعا، وفي ضروف التحول التي مرت بها المنطقة العربية وسقوط نظامين عتيدين جاءت الثورة الليبية.

تسارع مشهدها بشكل لافت ومجيء الاعترافات الدولية في مرحلة مبكرة أتاحت فرصة للكثيرين للنظر والاعتبار والانتقال من خانة النظام إلى مربع الثورة، – وهذا من حق الجميع – لكن بالمقابل لابد من فرضية أحقية الشعب في تأسيس جديد لمستقبل يناسب تحقيق طموح التغيير .

بعد الثورة ومرحلة حكومة الكيب استمعنا لخطاب الحكومة عبر لقاءات متعددة لرئيس الوزراء -للأسف -لم تتضمن الحديث عن الفساد بشكل واضح، وكيفية التغلب على منظومته التي استطاعت العمل بفاعلية مع النظام الإداري والمالي الموجود وتطويعهما بما يحقق مزيدا من تفشيه واستشراءه إلى مستوى القاعدة والخدمات المباشرة للمواطن.

الاحتجاج بالوضع الأمني وترديه لتجاوز ما حدث ويحدث من فساد في ملفات الصحة والجرحى وما تم صرفه على الملف الأمني وأدى إلى نزيف للمال العام يعد مغالطة كبيرة ومحاولة لخداع الرأي العام لإقرار وضع ما قبل الثورة المستسلم للفساد.

ومن المؤسف أن يدور حديث عن دخول فوج جديد آخر إلى أروقة المؤتمر والحكومة يحاول التربح والكسب منتهجا ذات الأسلوب الذي يعتمد على استغلال المناصب العليا في الدولة لتحقيق عقود أو صفقات بطرق غير شرعية.؛الأمر الذي أدى إلى ظهور طبقة أخرى من رجال أعمال ما بعد الثورة.

إزاء هذا الوضع يذهب المشهد العام باتجاه التعقيد سواء على صعيد المجتمع أو الدولة في ظل نهم وجشع فئتين الأولى من رجال الأعمال المحسوبين على النظام السابق إذ يحاولون بكل ما أوتوا من أموال مشبوهة البقاء في الساحة والاستمرار في العمل مع ضمان عدم المحاسبة.

والفئة الثانية من رجال أعمال ما بعد الثورة المتطلعين لخوض غمار منافسة شرسة على الحصص وتوزيع السوق، وبضمان وجود سند سياسي يسمح بتقوية وضعهم وزيادة رأس مالهم وتحديث إزاحة نسبية تعيد تقسيم السوق وفق الوضعية الجديدة.

مما يعزز الفساد انحدار قيم المجتمع في الوقت الذي يفتقد أبناؤه لمبادرات المشاريع الصغرى والمتوسطة التي تكافح الفساد، ويبقى بديل الاجتهاد في المبادرات الاكتفاء بانتظار رفع الرواتب وزيادة العلاوات والتطلع للمنح والقروض.

أخوف ما أخاف أن يستسيغ المجتمع وجود الفساد بحجة أنه ليس أولوية لتحقيق أمنه واستقراره، حيث يقود ذلك إلى استمرار الاضطرابات، فتلعن كل حكومة عن أختها من غير أن تحدد مكمن الداء وأساس الفشل.

يمكنني اعتبار الحراك السياسي من بعض الذين يتبنون مبدأ نظام حكم معين هو محاولة التفاف على تحديد إشكالات المرحلة المتمثلة في الفساد من جانب وثقافة المجتمع من جانب آخر.

إنه تفكير غرائزي يعزز ثقافة سلبية في المجتمع تميل إلى منطق التوزيع والتقسيم وتفسح المجال أمام أصحاب التطلعات السياسية والاقتصادية من غير الكفاءات لتحديد حلول لا تمس جوهر المشكلة.

إن الطرح السياسي الذي لا يتناول الفساد ويحاول معالجته وتجهيز كل الأطر والآليات التي تحد من انتشاره هو تكريس لهضم حقوق المجتمع وضياع لجهد التغيير ورجوع للمربع ما قبل الثورة.