إسماعيل القريتلي: ليبيا والعالم.. فرص التعايش والتأثير

في قسم : أقلام وآراء | بتاريخ : الثلاثاء, 11 مارس 2014 | عدد المشاهدات 679

اسماعيل القريتلي

المجتمع الدولي رغم أنه مصطلحات يحمل في بعض ظلاله معانيه يقصد به هيمنة القوى الغربية الكبرى بقيادة الولايات المتحدة إلا أنه لا مناص من التعامل معه من خلال إدراك حجم حضورنا في الوجود الإنساني.

 

وهذا يقودنا إلى محاولة البحث عن “كوات” في جدار الهيمنة من خلال إعادة ترتيب العلاقة مع الوجود الإنساني من خلال الحضور الليبي في العالم.

 

فأميركا يمكن أن نؤسس علاقتنا معها بما يحقق مصالحنا ولا يتعارض بشكل كبير مع مصالحها وبالتأكيد هناك مساحة للمناورة نجحت في استخدامها دول عديدة.

 

لا يعني ذلك أن نتحول إلى جبهة صمود وتحدي ومثابة للتصدي للاستعمار والفاشية بل أن نتفق على مصالحنا ونعيد تموضعنا في المعادلة الدولية بناء على الخصوصية المحلية المنفتحة على العالم والتي تراعي وجود تلك القوى المهيمنة ومن عوامل تأثيرنا على المجتمع والسلطة في أميركا وجود جالية ليبية يمتد لأكثر من ثلاثة عقود وتربط عديدهم علاقات سياسية وتجارية مع شخصيات وجهات مؤثرة في السياسة الأميركية.

 

حتى أوروبا العجوز التي تأن تحت أزماتها الاقتصادية ذات العمق السياسي مما يعني حصول تحولات في العلاقات الأوروبية البينية، تبقى لنا مساحتنا كليبيين للتحرك، وتتوافر تلك المساحات في الوجود التاريخي الليبي في أوروبا خاصة جنوبها ومن خلال تقاطعات المصالح في جوانبها التجارية والاقتصادية والأمنية وبالتأكيد العلاقات الثقافية مع بعضها مما يمكن أن يحقق لنا استقرارا ويخفف علينا الضغوط لو أحسنا إدارة تلك العوامل لصالح استقرارنا وتنميتنا.

 

بالتأكيد إيطاليا لها حضور تاريخي في ليبيا لا يمكن تناسيه بل لابد من استثماره بمنطق المصالح المتبادلة والعلاقة التاريخية حيث تشكل العلاقة مع ليبيا جزء من التاريخ والحاضر الإيطالي ولا يمكن أن يقرأ طالب إيطالي دون المرور على فترات موغلة في القدم تربطهم بليبيا.

 

اليونان وتركيا لهما كذلك حضور تاريخي واجتماعي وثقافي واقتصادي ولتركيا تأثير سياسي كذلك يمكن أن نعيد تعريف تلك العلاقات من خلال استصحاب تلك الحقائق التي تميزت بالقرب الكبير حتى كدنا أن نصبح عمقا للدولتين.

 

هذا لا يعني أن نغفل حضور دول الجوار العربي والأفريقي في ليبيا وانتشار الملايين من الأصول الليبية في كل دول الطوق بليبيا مما يفتح أمامنا آفاقا للحضور المؤثر والقوي من خلال التواصل مع تلك المجموعات السكانية التي تبدأ رواية تاريخها انطلاقا من بلد الأجداد ليبيا وهذا يجعلنا من أكثر شعوب شمال إفريقيا انتشارا مما يمنحنا مجموعات ضغط تحمي مصالحنا في كل تلك الدول وتؤثر في سياساتها الخارجية لصالحنا دون أن نكون سببا في اضطراب تلك الدول.

 

قد لا يعرف أكثر الليبيين أن أحد قرى منطقة الكرك بالأردن يرجع أصل كل سكانها إلى ليبيا وانتقلوا إلى هناك إبان الحركة ما بين مكة وبيت المقدس ولا يزال يتحدث شيوخها عن أصولهم الليبية وقد زرتها سنة 1990 والتقيت ببعض أعيانها بل الأمر يتسع إلى العاصمة عمان حيث توجد فيها جمعية اسمها جميعة أبناء المغرب العربي تأسست في ثمانينيات القرن الماضي وقد قابلت بعضهم وأغلبهم ينحدرون من أصول ليبيا.

 

ولنفس الأسباب وللجهاد في فلسطين يوجد ليبيون مستقرين في فلسطين وسوريا واختلطوا بالمصاهرة مع المهاجرين الجزائريين الذي استقروا هناك في رحلة الأمير عبدالقادر الجزائري.

 

ويصل الحضور الإنساني لليبيا إلى منطقة القوقاز حيث يوجد الشركس المنحدرون من تلك البقعة المجاهدة إذ كان سبب مجيئهم إما مشاركة في قوات الدولة العلية أو هجرة بدينهم بعد موجات الحروب في تلك المنطقة نهاية القرن التاسع عشر.

 

لا شك أن للجزيرة العربية والعراق حضورها في ليبيا سواء من خلال الأصول المشتركة مع القبائل العربية في ليبيا أو من خلال اللجوء إلى تلك الدول حقبة الاستعمار وإبان حكم القذافي وكنت أسمع من عديد الأصدقاء المنتمين لدول الجزيرة العربية استمتاعهم بالشعر الشعبي الليبي القريب جدا من شعرهم المسمى بالنبطي بل شارك عديد الشعراء الليبيين في مسابقات الشعر النبطي في الإمارات.

 

ومنذ نحو عقدين مثلت دول الخليج اتجاها للهجرة من قبل الخبرات الليبية خاصة في مجالي الطب والنفط ثم انتقل الكثير من رجال الأعمال بحثا عن فرصهم ونجح الكثير منهم فقرر العشرات منهم استمرار الإقامة في تلك الدول.

 

بالمثل فإن هناك حضور إنساني منوع في ليبيا تمثل في جاليات قديمة لا تزال تحتفظ بروابطها مع مجتمعاتها ودولها ولكنها استمرت في العيش بيننا واختلطت الدماء وتعمقت الروابط الاجتماعية من خلال التصاهر وهي ميزة إضافية لعلاقتنا التي يجب أن تكون منفتحة على العالم.

 

لا أدري هل تدرك وزارات الخارجية والثقافة ومراكز بحوثنا وسفراتنا عمق وجودنا في العالم من حولنا وهل سنرى من سلطات ليبيا اهتماما يليق بحجم انتشارنا وتداخلنا مع العالم لينعكس كل ذلك اعترافا سياسيا وثقافيا واقتصاديا بتنوع النسيج الليبي والابتعاد بعقلنا الجمعي خطوات واسعة عن تلك المقولات البدائية التي تنادي بالمجتمع المغلق من خلال عنواين مليئة بالكراهية والعنصرية ضد الشعوب الأخرى.