إسماعيل القريتلي : ملامح نضج للمشهد السياسي يعرقله تعنت التحالف

في قسم : أقلام وآراء | بتاريخ : الأحد, 16 فبراير 2014 | عدد المشاهدات 509

اسماعيل القريتلي

مهما اختلفنا في تقويم السلوك السياسي للمؤتمر الوطني العام فإنني ألحظ في تحركاته الأخيرة نضجا سياسيا وتعاملا مسؤولا مع متغيرات الواقع. وظهر منذ التوافق الداخلي على خارطة طريقة بخيارين جاء الثاني منهما انسجاما مع ما يطرحه تحالف القوى الوطنية وأعلن عنه الدكتور محمود جبريل في خطاب متلفز نقلته أربع قنوات فضائية معروفة بدعمها لتوجهات التحالف.

غير أن التحالف وعلى لسان جبريل وعبدالمجيد مليقطة عاد فأنكر أي علاقة له بذلك التوافق الذي شاركت فيه الكتل المحسوبة على التحالف وكان معروفا أن ما أقر في المؤتمر جاء نتيجة لمحاورات وتفاوض خارج أسوار المؤتمر دام أكثر من شهرين إلا ان إصرار التحالف على الاتفاق على تعديل قانون العزل السياسي الذي بات بحسب الأطراف المقابلة للتحالف موضوعا مجتمعيا يحتاج إلى حوار أوسع تشارك فيه مكونات غير تلك المنضوية في الممارسة السياسية داخل أروقة السلطة.

كان اللافت هو انتقال كتل التحالف وأخرى كانت غالبا تتحالف معه في عديد القضايا المطروحة في قاعة المؤتمر إلى الدخول في توافق خارطة الطريق الذي حقق لهم:

– تعديلا في خارطة الطريق التي قدمتها لجنة خارطة الطريق المقدمة للمؤتمر بإضافة الخيار (ب) حيث تضمن كل ما يطلبه التحالف والقوى المدنية المتحالفة معه بما في ذلك تعديلات موسعة في الإعلان الدستوري وقد شكلت فعليا لجنة فبراير للعمل على التعديل الدستوري.
– الانفراد في تقديم مرشحي رئاسة الحكومة أو بعبارة أدق عدم تقديم القوى الإسلامية داخل المؤتمر مقترحات بهذا الخصوص

رغم ذلك فإن التحالف سرعان ما بدأ تصعيده الإعلامي وبدل مفردات خطابه حتى كاد ينتقل من السياسي إلى العسكري وحدد خصمه في القوى الإسلامية كما فعل السيد مليقطة عندما رمى صراحة ما سماه بالإسلام السياسي بكل ما تمر به البلاد من أزمات تقريبا ثم تطور الأمر ليصبح تهديدا مباشرا للمؤتمر بالإسقاط بقوة السلاح وانتهى الأمر للتحشيد في الشارع ضد المؤتمر حتى وصل الأمر أن يتعرض أعضاء بالمؤتمر للمنع من السفر مع الكثير من الإهانة من قبل أشخاص يوصفون أنهم مناهضون للتمديد. لكن التساؤل بشأنهم يتعلق بالكيفية التي يستطيعون بها الدخول إلى مهبط المطار بحرية تامة.

تماهيا مع موقف التحالف رأينا من يمكن وصفهم بالنخبة في ليبيا “يشنون” حملات محمومة ضد المؤتمر ضاربين عرض الحائط بالخيار (ب) من خارطة الطريق التي مثلت كذلك وجهة نظرهم. مع تحفظي أن يكون من اعمال النخبة شن الحملات بدلا من التحليل الموضوعي للواقع المعتمد أساسا على الجمع الدقيق للبيانات والاجتهاد لإيجاد حلول عملية تدعم السلم الأهلي وتثبت المسار السلمي والابتعاد عن تهييج الشارع ضد خصوم العملية السياسية.

الأكثر طرافة إن صح التعبير هو ذلك الصمت المطبق سواء من التحالف أو النخبة المهاجمة عما بدا واضحا عجزا شبه تام للحكومة بل وإظهار حالة عدم النضج من خلال التمسك باستمرار حكومة السيد زيدان كورقة ضغط للتفاوض بخصوص مطالبهم المتركزة أساسا في تعديل العزل السياسي رغم أن شعاراتهم الأخلاقية التي لا يفتأون عن تكرارها مثل المصلحة الوطنية وزهدهم في السلطة.

سياسيا يصعب تقبل هذا التعنت المستمر بل المتصاعد منذ الشهور الأولى للثورة من التحالف وتلك النخبة ضد من اعتبروه خصما لهم متمثلا في الثوار ورأينا عشرات التصريحات التي خرجت من شخصيات أصبحت بعد ذلك من قيادات التحالف أو النخبة المحسوبة عليه وأيضا ضد التيار الإسلامي بل رأينا حالة من اللامنطق عندما عملوا بإصرار على تغليب الأفراد عن القوائم في انتخابات المؤتمر الوطني ظنا أن التيار الإسلامي خاصة الإخوان سيكتسون بالقوائم وكانوا قد بدأوا حملة مبكرة كذلك ضد الأحزاب عززت من صعود مفاهيم وخطابات وأفعال ناقضت كل حديث عن مسار ديمقراطي وانتهى الأمر إلى 120 مستقل في المؤتمر كانوا من أسباب تعثر أداء المؤتمر بسبب صعوبة بناء توافقات مع عدد كبير من المستقلين ورغم ذلك استمر إعلام التحالف العزف على لحن لا للأحزاب حتى تشربته نخبته التي بدأت تكرره بلا تأمل في المآلات ورغم عودة التحالف ممثلا في قياداته وعلى رأسهم جبريل للمناداة بالحزبية من جديد وجعلها ضدا للقبلية إلا أن الشارع تجاوزهم وعجزت نخبته في العودة للمناداة بالأحزاب.

المهم أن التحالف مضى قدما في تصعيد مواجهته مع خصومه السياسيين الذين لم يقتصروا على الإسلاميين فقط بل ضموا إليها التيار المحافظ مثل حزب الجبهة الوطنية والاتحاد لأجل الوطن وحزب التغيير وأدت منكفاتهم مع حزب الجبهة إلى خروج قانون العزل عن غايته الأساسية إلى نفق مليء بالتخاصم بني أساسا على المعادلة الصفرية في العلاقات التي لا تقبل وجود شريك في العملية السياسية وكأن ذلك استمرارا لمشهد ما قبل الثورة حيث كان المسيطر هو الانفراد المطلق.

وكان متوقعا أن نلحظ نضجا في أداء المؤتمر الوطني وكان ذلك أولا في إنهاء حالة المستقلين رغم أنها لم ترق للرأي العام بسبب استمرار الهجمة ضد الأحزاب إضافة إلى عدم قيام النخبة من تعديل خطابها لتوضح للشعب أن التكتل داخل المؤتمر أساسه الالتزام بالعمل السياسي وقواعد الديمقراطية التي تبنى على العمل الجماعي المنظم بل حاولوا اعتبار ذلك منقصة عندما “شنت” النخبة مجددا حملة واسعة ومستمر ومتصاعدة ضد حركة الإخوان المسلمين بنيت أساسا على أنها التنظيم السياسي والاجتماعي الأكثر تنظيما وتماسكا في ليبيا بدلا من الاستفادة من هذه المزايا في إعادة تنظيم الأفكار والآراء المتشابهة.

غير أنه حتى تلك النخبة المتهجمة على الأحزاب والتنظيمات لجأت مؤخرا إلى الانتظام تحت مسميات ليس بينها كلمة (حزب) ورأينا مجموعات وجماعات وفرق وغيرها من الأسماء التي هي في أضحت عمليات تنظيمات سياسية تصدر بيانات وتعقد الاجتماعات وتبني علاقاتها بل وتحاول المشاركة في العملية السياسية بترشيح بعض منتسبيها للمناصب العليا في هرم السلطة.

ولم يحاول التحالف التخلي عن مساعيه التفرد بالمشهد بناء على نتائج انتخابات 7 يوليو 2012 رغم أنه واقعا لم يستطع تأسيس علاقات سياسية داخل المؤتمر تمكنه من الهيمنة التي لا يزال يسعى إليها عن طريق النجاح في تشكيل أغلبية داخل المؤتمر الوطني وكل ما استطاعه رغم أنه الحزب الوحيد الذي يملك إعلاما ويدعمه آخر في تشويه صورة خصمه الدائم الذي تمثل في الثوار والتيار الإسلامي حتى وصل الأمر بالشارع أن بدأ يرفع شعارات الاجتثاث العنيف للإسلاميين خاصة الإخوان المسلمين وتصر قنوات التحالف والأخرى الداعمه له من نقل الصور مجتزأة لتلك الشعارات مع استضافة مستمرة لتلك النخبة “المشحونة” ضد الخصم السياسي الإسلامي مع موجات من الاتهامات لم تنقطع منذ سنتين ونيف بل حددت بعض القنوات دورها في القضاء على التيار الإسلامي في مشهد تقليدي لما يحدث في مصر.

ومما زاد من تعنت التحالف ما أعتبره شخصيا نضج عديد المنتسبين له في المؤتمر والكتل التي تحالفت معه تجاه ضرورات المشهد السياسي والذي انتهى إلى الدخول في توافق سياسي انتهى بإقرار خارطة طريق المعدلة بخيارين الثاني منهما يطابق رؤية التحالف ونخبته المسيسة كذلك خاصة فيما يتعلق بتعديل الإعلان الدستوري والذهاب لانتخابات تدخلنا في مرحلة انتقالية ثالثة. غير أن ذلك النضج لم يقابله إلا مزيد من تعنت التحالف الذي كان يريد الحصول على كل مطالبه والخضوع لجميع شروطه بما فيها تعديل العزل السياسي بعيدا التوافق المجتمعي الذي يتجاوز ربما صلاحيات المؤتمر الوطني.

وأمام هذا التعنت المتواصل للتحالف لحد استضافة القنوات المحسوبة عليه شخصيات لا تتوقف عن التهديد بما يشبه الفوضى واستخدام القوة لمنع المؤتمر من مواصلة أعماله يصبح مهما توسعة دائرة الحوار مع أطراف سعى التحالف دوما إبعادها عن التوافق السياسي لأسباب كرفضها أساسا للعملية السياسية القائمة على انتخابات 7 يوليو ولأخطاء وقع فيها التيار الإسلامي عند تناوله للقضايا الرئيسية عند تلك الأطراف خاصة الحراك الفيدرالي الذي لم ينجح عمليا التيار الإسلامي من استدامة التواصل معه وتعميق فهم رؤية الفيدراليين للقضايا الأساسية التي تشكل عندهم أولية أهمها الموقف من المؤسسة الأمنية والعسكرية والرؤية الخاصة بأزمة المركزية المستمرة التي أدت إلى مضاعفة تهميش أكثر المناطق والمدن.

ومن هناك لم يعد من ممكن الخضوع مصير ليبيا التي تكاد أن تقع تحت طائل ولاية مجلس الأمن عليها إلى حالة المراوحة التي يعيشها التحالف والتي عبر عنها جبريل في حديثه عبر شاشة العربية مساء الجمعة المنصرمة بوجود أزمة داخل التحالف والأصوات التي ترتفع ضد بعض من قياداته وقبل ذلك رأينا خروج مجموعات وشخصيات مهمة من التحالف. إن أزمة التحالف ذات الشقين الأول رفضه الالتزام التفاوض والتنازل الذي يعكس إيمانه بوجود الغريم قبل الحليف. والثاني حالة الانقسام التي يشهدها بسبب هذا التعنت مما أضعفت عمليا سيطرته على أعضائه داخل المؤتمر مما ولد ضغوطا داخل التحالف انتهت إلى رفض أساس وجود المؤتمر الوطني وبدأت مساعيه أكثر وضوحا تجاه الإطاحة بالمؤتمر.

وأنا أدعو لإنضاج العملية السياسية بمزيد التوافقات المبنية على التنازل والقبول بمشاركة الخصوم في مشهد بنائي يبعد عن الصراعات الصفرية لا يمكنني إلا أن أدعو التحالف رغم كل تعنتاته للانضمام إلى كل المكونات الليبية المعنية بالعملية السياسية سواء أكانت ممثلة في السلطة أو كانت خارجها لاطلاق حوار واطني مستمر ومتواصل بعيدا كل البعد عن الشروط المسبقة والطلبات المتعنتة مع التزام دائم منه وبقية الأطراف بميثاق إعلامي بعيدا عن رقابة السلطة بل من خلال الرقابة المجتمعية على ما تبثه وسائل الإعلام التي يجب أن تلتزم بمعايير الصحافة الإخبارية وأساسها التدقيق في كل ما ينشر والالتزام بقمولة “التدقيق قبل السبق” والالتزام الصارم بعدم ظهور العاملين في تلك الوسائل الصحفية والإعلامية كأطراف في المشهد أنثاء تأديتهم لوظيفتهم الصحفية والحرص المطلق على إحضار كل الأطراف للمشاركة في حوارات جادة وموضوعية يتم الإعداد لها شكل محترف قوامه المعلومات الصحيحة والأسئلة غير المغرضة.

لكن ماذا لو أراد التحالف الاستمرار في تعنته المعتاد؟ حينها أدعو كل الأطراف أن تتجاوزه ليلحق بها أو لينكمش حجمه وقدرته على التأثير للحد التي سيصنف في خانة أسرع الأحزاب أفولا بعد أن كانت أمامه آفاق رحبة ليشارك في بناء بلد لا يعاني من أزمات مالية ويملك موارد متنوعة أو أن يقرر اللحاق بركب الحوار والتوافق وحينها نقول له “أن تأتي متأخرا أفضل من أن لا تأتي أبدا”.