قراءة في بعض من مواقف جماعة الإخوان المسلمين الليبية …. د. سعد سلامة

في قسم : أقلام وآراء في منتقى الصحف | بتاريخ : السبت, 18 مايو 2013 | عدد المشاهدات 1461

مقال كاتب كتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

قراءة في بعض من مواقف جماعة الإخوان المسلمين الليبية

د سعد أحمد سلامة

الجزء الأول

     إذا كان تاريخ 17 فبراير2011 يعد حدثا مفصليا في التاريخ المعاصر للحياة السياسية في ليبيا فإن تاريخ 20  نوفمبر 2011  الذي شهدت فيه مدينة بنغازي  انعقاد المؤتمر العام التاسع لجماعة الإخوان المسلمين الليبية  يعد بحق  حدثا مفصليا في تاريخ الجماعة ، لا لأنه يعد بمثابة الانتقال الفعلي من مرحلة العمل السري التي عاشت فيها الجماعة أغلب سنوات تكوينها مند تأسيسها في عام 1949 ، وإنما كذلك لما احتواه وتمخض عنه ـ المؤتمر العام التاسع ـ من قرارات و توصيات هامة و مهمة ارتسمت بها ومن خلالها مسارات واتجاهات الجماعة نحو مختلف المجالات التي عرف بها الإخوان المسلمين في فكرهم وحركتهم .

      و بالنظر إلى نصوص و مضامين البيان الصادر عن جماعة الإخوان المسلمين الليبية في مؤتمرهما التاسع خاصة وفي جل بياناتها التي أصدرتها طيلة العاميين الماضيين بعد الثورة نلمس أن الجماعة كانت حريصة جدا على تبيان مواقفها وآرائها  نحو كل القضايا الهامة التي تنشغل بها الساحة الليبية خاصة والساحة الإسلامية على وجه العموم ، وهو ما سيتم التدليل عليه في جوانب أخرى من هذه المقالة.كما أنها كانت مدركة  إن حسن الإنجاز و سلامة الأداء لابد له – بعد استحضار النية وخلوصها لله – أن يأخذ بعين الاعتبار ضرورة وإلزامية تحسين الصورة الذهنية عن الجماعة عند المواطنين الليبيين الذين تغذوا طيلة سنين حكم النظام السابق بكم هائل من المعلومات غير الصحيحة عن طبيعة منهجها و أهدافها ضاعف منها ممارسات حسبت على الجماعة لتيارات إسلامية أخرى بدأت تنشط و بشكل متسارع في الساحة الليبية وهو تحد ازدادت صعوبة مواجهته مع ضعف إمكانيات الجماعة في مجال الإعلام بشتى أنواعه خصوصا الفضائي منه حيث كثير ما تكون الجماعة هدفا مباشرا من قبل خصوم سياسيين وغير سياسيين لا يألون جهدا في التشويش وبث الشبهات حول كل ما يصدر عن الجماعة من مواقف ومبادرات .

        والمتابع للشأن الليبي حتى عن بعد لا يجد كبير عناء في إدراك أن جماعة الإخوان المسلمين الليبية أصبحت رقما مؤثرا في المعادلة السياسية في ليبيا بعد ثورة 17 فبراير بكل ما فيها من حراك سياسي متنام و متفاعل فهي قد وفقت في أهم اجتهاد سياسي لها عندما قررت بإرادتها المنفردة إن تمارس العمل السياسي بتكوين حزب سياسي بالشراكة مع من شاء من أبناء الشعب ممن يؤمنون بالمرجعية الإسلامية فتأسس بحمد الله حزب العدالة والبناء وهو اليوم ثاني إن لم يكن أول حزب سياسي في ليبيا من حيث قوة تأثيره ومستوى حضوره في المشهد السياسي الليبي.

 كما أن جماعة الإخوان المسلمين الليبية تلعب اليوم  دورا بارزا و مؤثرا في عملية التحول الديمقراطي  التي تمر بها ليبيا بما تقدمه من مبادرات وآراء من  خلال كوادرها  سواء منهم المنخرطين في العمل السياسي  العام أو أولئك الذين يتولون مناصب قيادية على صعيد الجماعة. ولعل ما يؤشر إلى ذلك صراحة مستوى وحجم التواصل الداخلي و الخارجي وعلى مختلف المستويات السياسية والمجتمعية مع قيادة الجماعة ورموزها.

 و للتعرف على بعض من جوانب كيفية تعاطي جماعة الإخوان المسلمين الليبية  مع الشأن الليبي بعد ثورة 17 فبراير نسوق هذه الأمثلة لمواقفها حيال بعض القضايا.

موقف جماعة الإخوان المسلمين الليبية من الديمقراطية : ـ

      يتضح موقف جماعة الإخوان المسلمين الليبية من مسألة الديمقراطية وفهمها لما تحتويه من مضامين مختلفة من خلال إشارتها صراحة في لائحتها التنظيمية بأن رؤيتها التي تسعى لتحقيقها في ليبيا تتمثل في قيام دولة مدنية تتجسد فيها القيم الإسلامية وتحترم فيها حقوق الإنسان و كرامته وتتحقق فيها مبادئ الحرية والمساواة .

 كما أن نفس اللائحة نصت على أن الرسالة التي تحملها الجماعة هي السعي لإصلاح الفرد و المجتمع و الدولة في جميع المجالات على أساس الإيمان بالله وفق منهج إسلامي و سطي بالمشاركة مع أبناء الوطن لبناء دولة حديثة آخذين بكل أسباب الرقي و التقدم الحضاري . كما أن البيان الصادر عن المؤتمر العام التاسع للجماعة أكد على أن ما تؤمن به الجماعة و تنادي به هو أن ليبيا الجديدة دولة تسع الجميع ولا مجال فيها لإقصاء أي من  مكوناتها القبلية أو العرقية  أو الثقافية أو السياسية أو غير ذلك  فهي دولة مدنية ديمقراطية ذات مرجعية تستند إلى هوية شعبها المسلم و يشارك كل أبنائها في بنائها و نهضتها من خلال الآليات الحضارية الضامنة للتداول السلمي على السلطة وهو المبدأ الذي كثيرا ما أكد عليه المسؤول العام للجماعة الاستاذ بشير الكبتي فيما يجرى معه من لقاءات و مقابلات صحفية متعددة كقوله إننا ـ جماعة الإخوان المسلمين الليبية ـ نؤمن بالتداول السلمي الديمقراطي للسلطة و ندعو إلى إعطاء الحقوق السياسية للمرأة وأهمها حقها في الانتخاب و الترشح بما يتوافق مع نسبتهن من مجمل السكان .

موقف جماعة الإخوان المسلمين الليبية من الدستور: ـ

   تؤمن الجماعة بأن نجاح العملية الديمقراطية في ليبيا يقتضي بالضرورة وجود دستور لا يتعارض في بنوده وأحكام الشريعة الإسلامية الغراء . دستور يضمن و يكفل إيفاء الحقوق لكافة المواطنين رجالا و نساء. و لعل مما يسهل من عملية الوصول إلى مثل هذا دستور في ليبيا هو خصوصية المجتمع الليبي المتسم بالمحافظة و الوسطية مما يجعل من الصعوبة بمكان أن تعرف ليبيا جدلا حول موقع الشريعة الإسلامية في الدستور، فالمناخ العام يوحي أن  كل التيارات و الكيانات السياسية وحتى التي تصنف إعلاميا بأنها ليبرالية لا تتبنى موقفا متطرفا من دستور يستند إلى الشريعة الإسلامية.

موقف جماعة الإخوان المسلمين الليبية من قضية حقوق الإنسان : ـ

        في إطار فهمها المشار إليه آنفا للديمقراطية وأهمية إقرار الدستور في بناء ليبيا الجديدة فإن جماعة الإخوان المسلمين الليبية تؤمن إيمانا راسخا أن استقرار الدولة الليبية و تحقيق أهداف الثورة في التغيير  والانتقال الديمقراطي و التأسيس لدولة القانون و المؤسسات الدستورية يستوجب بالضرورة تبني كل ما نص عليه ديننا الحنيف  من إرساء وتعزيز قيم ومعاني حقوق الإنسان وما يتطلبه ذلك من ضرورة التفعيل العاجل للقضاء وتعزيز قدرات الأجهزة الأمنية الرسمية ووجوب السير الحثيث في إعادة بناء الجيش الوطني وإسناده لقيادات  وطنية مخلصة.

 وفي الإطار نفسه تؤكد جماعة الإخوان المسلمين الليبية على ضرورة التعجيل بإنجاز استحقاق العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية في ظل قضاء عادل وأجهزة أمنية فاعلة وتدعو إلى الترفع على نوازع الانتقام والانتصار للذات وذلك من أجل الحفاظ على البلاد و تجنيبها الفوضى . فالوطن فوق الجميع ومصالح البلاد العليا و حماية حقوق المواطنين أولى من أية خصومات أو صراعات شخصية أو أسرية أو قبلية أو جهوية .

 موقف جماعة الإخوان المسلمين الليبية من الدعوة لتطبيق نظام الحكم الفيدرالي في ليبيا:-

      ترى جماعة الإخوان المسلمين الليبية إن الدعاوي التي يطلقها البعض و ينادي من خلالها إلى تطبيق نظام الحكم الفيدرالي في ليبيا ما هي إلا مشروع يسعى القائمين عليه إلى تقسيم وحدة البلاد وفقا لمراحل معدة مسبقا، وإن من يطرحون من إعلان برقة إقليما فيدراليا لا يعبرون في حقيقة الأمر إلا عن أنفسهم لا عن الشعب الليبي . وفي المقابل فإننا كجماعة نؤمن بان الإدارة المحلية و الحكم المحلي هي الحل لكل المشاكل التي تنشأ عن المركزية ، و إن الفيدرالية سوف تجعل من البلاد لقمة سائغة للتدخلات والاختراقات الخارجية ، وبمعنى أخر ترى الجماعة أن التحول إلى الفيدرالية بعد التوحد الكامل لن يكون إلا تراجعا إلى الخلف وخطوة مرحلية سلبية في الاتجاه المعاكس نحو الانقسام والانفصال .

موقف جماعة الإخوان المسلمين الليبية من الأوضاع السياسية في مصر: ـ

     وفقا لما تصدره من بيانات و تصريحات إعلامية مختلفة فإن جماعة الإخوان المسلمين الليبية كثيرا ما تؤكد دائما على أنها تقف إلى جانب التيار الإسلامي المعتدل أينما وجد و حيثما كان من أجل تحقيق مطالبه المشروعة، وفقا لهذا المبدأ و استنادا للحالة الثورية التي تمر بها منطقة الربيع العربي فإن جماعة الإخوان المسلمين الليبية أعلنت أكثر من مرة و في أكثر من مناسبة و على مستويات قيادية مختلفة بأنها ضد كل ما من شأنه الأضرار بمكاسب الثورة المصرية و بأمنها و استقرارها إدراكا منها أن ما يجري في مصر لابد و أن يؤثر سلبا أو إيجابا على الأوضاع في ليبيا.

 أما عن علاقتنا كإخوان ليبين بإخوان مصر فإننا قد استبشرنا خيرا بوصول الإخوان إلى سدة الحكم في نظرا لما تتمتع به مصر من عمق حضاري وفكري للعرب والمسلمين ، و لكننا في نفس الوقت نتقيد دائما بما تنص عليه لوائحنا التنظيمية من بنود. وبالتالي فإن المسؤول العام للجماعة أكد ويؤكد دائما على أن علاقتنا مع جماعات الإخوان في الدول الأخرى هي علاقة فكرية وإن انتماؤنا لليبيا فقط، كما إننا منفتحون على كل التجارب والنماذج التي وصل فيها الإسلاميون لسدة الحكم مثل تركيا و مصر و السودان وتونس ونستفيد منها ولكن مع بقاء خصوصية واقعنا الليبي وظروفنا المحلية.