محمود عمار المعلول : لغتنا العربية: ( 1 )

في قسم : كتاب وآراء في منتقى الصحف | بتاريخ : الأحد, 21 أبريل 2013 | عدد المشاهدات 1499

قلم

تعد اللغة العربية من أقدم اللغات في العالم ، وهي اللغة التي يتحدث بها ملايين البشر في البلاد العربية ، بالإضافة إلى الملايين من المسلمين في مختلف أنحاء العالم ، وهناك من يؤكد أنها كانت لغة سيدنا آدم ، وهي أم اللغات في العالم ، ولكن هذا الأمر حتى وإن سلمنا بصحته تنقصه الأدلة التاريخية ، ومما لا شك فيه أن أبناء سيدنا نوح الثلاثة الذين تكونت منهم البشرية فيما بعد ( سام . حام . يافث ) كانوا يتكلمون لغة واحدة ، ولكن المؤرخون اختلفوا في هذه اللغة هل هي العربية أم غيرها ؟ .

فاليهود يقولون أن لغتهم العبرية هي أولى اللغات السامية ، والسريان يقولون أن اللغة الآرامية التي تحدث بها المسيح هي اللغة الأم ، والعرب يقولون بأن اللغة العربية هي أم اللغات السامية ، وكما هو معروف فإن الجنس السامي استوطن الجـزيرة العربية وأجـزاء من أفريقيا ، ومـن الشعوب السامية ( العبرانيون . الآراميون . البابليون . الأموريون . الفينيقيون . العرب وغيرهم ) .

وتجدر الإشارة إلى أن الأبجدية العربية المعروفة ( أ . ب . ج . د ) قد ظهرت عند الشعوب السامية ، ثم انتقلت إلى باقي الشعوب الأخرى ، واشتهرت اشتهاراً واسعاً في المنطقة العربية ، وتطلعت إليها الأمم الأخرى راغبة في اقتنائها ، وفي القرن التاسع قبل الميلاد دخلت إلى أوروبا فأخذها اليونانيون ثم الرومان وكذلك الهنود والفرس والأرمن وغيرهم .

بعد ظهور الإسلام ونزول القرآن الكريم باللغة العربية ازدادت مكانة هذه اللغة فاهتم بها العلماء والأدباء ، وبمرور الزمن دخلت اللغة العربية والحروف العربية إلى القارات الثلاث المعروفة آنـذاك ( أسيا . أفريقيا . أوروبا ) ، وتوجد اليوم حوالي ( 40 ) لغة في العالم تكتب بالحرف العربي مثل السواحلية في أفريقيا ، والفارسية في أسيا ، والقازانية في أوروبا .

ولقد أثرت اللغة العربية في أكثر من ( 100 ) لغة في العالم ، وهذا التأثير يفوق تأثير أية لغة أخرى فيما حولها ، والسبب في ذلك أن اللغة العربية هي لغة القرآن والعلم والحضارة والتجارة العالمية فالإنسان العربي المسلم كان كلما ذهب في أي اتجاه ينشر الخير والمحبة والسلام والعلم والحضارة بعكس الأوروبي الذي أمن بنظرية تفوق الأجناس ( أي تفوق الأوروبيين على غيرهم من البشر ) .

إن اللغة العربية كانت أقوى اللغات في العالم ، والدليل على ذلك أن الأوروبيين حين يريدون معرفة جذر لفظة ما في لغتهم فإنهم يرجعون بهذه اللفظة إلى اللغة السكسونية أو اللاتينية أو الإغريقية أو السنسكريتية وأحياناً إلى العربية ، أما العرب فإنهم إذا أرادوا معرفة جـذر لفظة ما فإنهم يبحثون عنها في اللغة العربية نفسها ، وهكذا فإن اللغات الأخرى ليست لها جذور عميقة في بلدانها ، وأكثرها مقتبس من لغات أخرى بعكس اللغة العربية .

تجدر الإشارة إلى أن العرب كانوا في العصر الجاهلي أميين بمعنى أنهم لا يعرفون القراءة والكتابة إلا القليل منهم ، وبعد نزول القرآن الكريم زاد اهتمام العرب بالكتابة والتعلم وقد اتخذ رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم كتبه للوحي فكانوا يكتبون القرآن الكريم ، وفي ذلك الوقت لم تكن النقط التي فوق أو تحت الحروف معروفة عند العرب ، وكذلك الحركات التي نعرفها اليوم ( الفتحة . الكسرة . الضمة ) وفي عهد الإمام علي بن أبي طالب ( 599 ـ 661 م ) ظهر أحد علماء اللغة العربية وهو أبو الأسود الدؤلي ( ت 69 هـ / 688 م ) الذي كان له فضل كبير في علم العربية ، وقـــد أمر كاتبه بقوله ( إذا رأيتني فتحت فمي بالحرف فأنقط نقطة فوقه ، وإن ضممت فمي فأنقط بين يدي الحـرف ( أمامه ) ، وإن كسرت فاجعل النقطة من تحت الحرف ، ففعل ذلك ) .

وبهذا العمل كانت البداية لظهور حركات الإعراب ، إذ النقطة التي فوق الحرف هي الفتحة ، والنقطة التي أمامه هي الضمة ، والنقطة التي تحته هي الكسرة ، ثم جاء دور العالم الخليل بن أحمد الفراهيدي ( 100 ـ 170 هـ / 718 ـ 786 م ) صاحب أول معجــم في اللغة العربية وهو كتاب ( العين ) ليكمل دور أبي الأسود فقد جعل الحركات بدل النقط الفتحة ألفاً صغيرة فوق الحرف ، والكسرة رأس ياء صغيرة تحت الحرف ، والضمة واواً صغيرة ، ويكرر الحرف عند التنوين ، وميز الخليل بين همزة الوصل وهمزة القطع ، وذلك بأن جعل لهمزة القطع رأس عين صغيرة ( أ ) .

كذلك قـام عالمان مـن علماء اللغـة العربية وهما نصر بن عاصم الليثي ( ت 89 هـ / 708 م ) ويحي بن يعمر العدواني ( ت 129 هـ/ 747 م ) بوضع نقـاط عـلى الحروف ، وتمييز المعجمة منها والمهملـة مثل ( ب . ت . ث. ج ) ، وقسما الحروف العربية إلى نوعين نوع يخلو من النقط وهو الحروف المهملة مثل ( س . م . ع . ر ) ، ونوع يحوي نقط ، وهو الحروف المعجمة ، وهكذا تطورت الكتابة العربية واللغة العربية بظهور الإسلام ودخول أقوام آخرين إلى الدين الحنيف .

وقد أشاد العلماء بعظمة اللغة العربية ومكانتهـا ، فقـد قال ارنست رينان ( 1823 ـ 1892 م ) ” اللغة العربية بدأت فجأة على غاية الكمال وهذا أغرب ما وقع في تاريخ البشر فليس لها طفولة ولا شيخوخة ” ، وقال الألمـاني فريتاغ ( اللغة العربية أغنى لغات العالم ) ، وقال وليم ورك ( إن للعربية ليناً ومرونة يمكنانها من التكيف وفقاً لمقتضيات العصر ) ، وقال الدكتور عبد الوهـاب عـزام ( 1894 ـ 1959 ) ” اللغة العربية لغة كاملة محببة عجيبة ” ، وقال الأديب طه حسين ( 1889 ـ 1973 م ) ” إن المثقفين العرب الذين لم يتقنوا لغتهم ليسوا ناقصي الثقافة فحسب بل في رجولتهم نقص كبير ومهين أيضاً ” .

تتمتع اللغة العربية بخصائص فريدة وعجيبة من بين لغات العالم فهناك الخصائص الصوتية فنجد أن للحروف العربية عدة مخارج فهناك الحروف الحلقية وحروف الشفتين … الخ ، كذلك تتمتع اللغة العربية بخاصية الاشتقاق فالفعل كتب يمكن أن تشتق منه ( كاتب ـ مكتوب ـ كتابة ـ كتاب ـ مكتب ـ مكتبة ) بعكس اللغات الأخرى التي تغلب عليها الفردية أي الكلمة الواحدة ، وهناك أيضاً خاصية مهمة أخرى وهي خاصية الإيجاز ، وهي صفة واضحة في اللغة العربية فقد قال عليه السلام ( أوتيت جوامع الكلم ) ويقول العرب البلاغة الإيجاز ، وخير الكلام ما قل ودل ، والجدول التالي يوضح الفرق بين اللغة العربية واللغة الإنجليزية والفرنسية :

 

وإذا قارنا إحدى الجمل في اللغة العربية بإحدى الجمل في اللغات الأخرى كإنجليزية مثلاً نلاحظ الفرق الكبير في الإيجاز مثلاً عندما نقول بالعربية ( لم أقابله ) فان عدد الحروف في هذه الجملة هو ( 8 ) حروف ، أما في اللغة الإنجليزية فعدد الحروف هو ( 14 ) حرفاً ( I DID NOT MEET HIM ( ، وحتى في مجال الترجمة كلمات اللغة العربية دائماً أقل من كلمات اللغة الإنجليزية فمثلاً سورة الفاتحة مؤلفة من ( 31 ) كلمة ، استغرقت ترجمتها إلى الإنجليزية ( 70 ) كلمة .

للغة العربية أهمية كبيرة فهي تمثل روح الأمة وضميرها وأداة ثقافتها وحضارتها ووسيلة لتحقيق التفاهم والتواصل بين الأجيال ، ولقد شرف الله العرب باختيار النبي منهم ، وباختيار لغتهم العربية لغة القرآن الكريم ، والله سبحانه وتعالى ضمن لهذا الكتاب الحفظ ، ومعنى ذلك أنه ضمن الحفظ للغة العربية كذلك فهي مرتبطة بالقرآن .

ومن أهمية اللغة العربية أن العلماء اعتبروا معرفتها فرض واجب لأن فهم الكتاب والسنة فرض والكتاب والسنة لا يفهمان إلا باللغة العربية ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، وقد قال أحد العلماء أن الاجتهاد في اللغة اجتهاد في الشرع ، وقال عمر بن الخطاب ( 584 ـ 644 م ) ” تعلوا العربية فإنها من دينكم ، وأعربوا القرآن فأنه عربي ” .

اهتمام الأولين باللغة العربية :

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( بعثت بجوامع الكلم ) ومعنى جوامع الكلم أنه كان يتكلم بالمعنى العظيم الفصيح في كلمات قليلة يسيرة ليسهل على السامع حفظه ولا يشق عليه تبليغه وحمله ، فالله سبحانه اختصر لنبيه الكريم الكلام اختصاراً وجعل ذلك من دلائل نبوته وأعلام رسالته ، فإذا قرأت كلامه انبهرت نفسك من علمه وأدبه وفصاحته وبلاغته واهتمامه باللغة العربية ، فقد كان كلامه هو عين البلاغة وآية البيان ، وقد سأله رجـل من أصحـــابه يا رسول الله : مـــا الجمــال في الرجــــل ؟ فقــــال عليه السلام : ( فصاحة اللسان ) .

وجاء في كتاب الخصائص للعلامة أبن جني الموصلي ( ت 392 هـ / 1002 م ) أن رجلاً قـد لحن ( نطق الكلمة نطقاً غير صحيح ) عند النبي صلـى الله عليه وسلـم فقـال النبي : ( أرشدوا أخاكم فإنه قد ضل ) ، وكان عليه السلام عندما تفد عليه القبائل العربية يكلم كل قبيلة بلهجتها لأن العرب في ذلك الوقت كانت عندهم لهجات مختلفة في نطق بعض الحروف ، فقد سأله رجل من إحدى القبائل وكانوا مسافرين : أمن أمبر أمصيام في أمسفر ؟ فأجابه عليه السلام بنفس لغة السؤال ، ولم يستنكر عليه : ( ليس من أمبر أمصيام في أمسفر ) أي ليس من البر الصيام في السفر .

تذكر الروايات أن الصحابة كانوا يهتمون بتعلم اللغة العربية ويحثون أبناءهم على تعلمها ودراستها فقد روى أن عمر بن الخطاب قال ( تعلموا العربية فإنها تثبت العقل وتزيد في المروءة ) وقال أحد العلماء ( إن اللغة العربية من الدين ومعرفتها فرض واجب فإن فهم الكتاب والسنة فرض ولا يتم إلا باللغة العربية وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ) وكان أبن عمر ( ت 74 هـ / 693 م ) رضي الله عنهما يضرب أبنه على اللحن في الكلام ، وقال الإمام الشافعي ( 150 ـ 204 هـ / 767 ـ 820 م ) ” من تعلم القرآن جل عند الناس ومن تعلم العربية رق طبعه ” ، وفي العصر الأمـوي قـال عبد الملك بن مروان ( 26 ـ 86 هـ / 646 ـ 705 م ) ” اللحـن في الكلام أقبح من الجدري في الوجه ” ، وقال كذلك ” شيبني ارتقاء المنابر مخافة اللحن ” .

وسمع الأصمعي ( 122 ـ 216 هـ / 740 ـ 831 م ) العالم اللغوي المشهور رجلاً يدعو بقوله : يا ذو الجلال والإكرام فقال له : من كم تدعو بهذا الدعاء ؟ فقال الرجل : من سبع سنين دأباً فلم أر الإجابة ، فقال له : ما اسمك ؟ قال : ليث ، فأنشأ الأصمعي يقول :

ينادي ربه باللحن ليثاً ……………………………. كذلك إذا دعاه لا يجيب

 

وقال له : قل يا ذا الجلال والإكرام ، وذكر أبن قتيبة أن رجلاً دخل على زياد بن أبيه ( ت 53 هـ / 673 م ) فقال له : إن أبينا هلك ، وإن أخينا غصبنا على ميراثنا من أبانا ، فقال له زياد : ” ما ضيعت من نفسك أكثر مما ضاع من مالك ” وكان الصواب أن يقول ( أبانا . أخانا . أبينا ) .

وقال الزمخشري ( 467 ـ 538 هـ / 1074 ـ 1143 م ) ولم يكن عربياً ” الله أحمد أن جعلني من علماء العربية ” ، وقال الرحـالة والجغـرافي البيروني ( 362 ـ 440 هـ / 973 ـ 1048 م ) ” والله لأن أهجى بالعربية خير لي من أن أمدح بغيرها ” .

وقال أبو هلال العسكري ( 308 ـ 395 هـ / 920 ـ 1005 م ) ” علم العربية …… يحتاج إليه الإنسان لجماله في دنياه وكمال آلته في علوم دينه وعلى حسب تقدم العالم فيه وتأخره يكون رجحانه ونقصانه إذا ناظر أو صنف ” ، وقال مصطفـى صـادق الرافعي ( 1880 ـ 1937 م ) ” إنما اللغة مظهر من مظاهر التاريخ والتاريخ صفة الأمة كيفما قلبت أمر اللغة من حيث اتصالها بتاريخ الأمة واتصال الأمة بها وجدت الصفة الثانية التي لا تزول إلا بزوال الجنسية وانسلاخ الأمة من تاريخها ” .

أما الأديب مازن مبارك فقد قال ” ليست حماية الأمة بحماية أرضها فقط ولكنها بحماية لغتها مـن الضعف والاضمحـلال والضياع ” ، ويقـول القلقشندي ( 756 ـ 821 هـ / 1355 ـ 1418 م ) عن اللغة العربية ” أنها أمتن اللغات وأوضحها بياناً وأذلقها لساناً وأمدها رواقاً وأعذبها مذاقاً ومن ثم أختارها الله تعالى لأشرف رسله وخاتم أنبيائه وخيرته من خلقه وصفوته من بريته وجعلها لغة أهل سمائه وسكان جنته وأنزل بها كتابه المبين ……… وقد انقادت اللغات كلها للغة العربية فأقبلت الأمم إليها يتعلمونها ” .

وكان من اهتمام العلماء الأوائل باللغة العربية أن ثار العلامة الخليل بن أحمد الفراهيدي عندما سمع رجلاً يقرأ في القرآن الكريم ” وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحـــج الأكبر أن الله برئ مــــن المشركين ورسولـــه ” ( بكسر اللام في كلمة رسوله ) وليس بضمها كما نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم ، وبالطبع فإن المعنى يتغير تماماً بتغير حركة حرف واحد ، فما كان من الخليل بن أحمد إلا أن قــــال للرجل : مـــاذا تقــــول يا رجـل ؟ قـل ( ورسوله ) بضم اللام ، فبرر الرجل خطأه بأن المصحف في ذلك الوقت لم تكن به وسيلة يستطيع القارئ عن طريقها معرفة النطق السليم ، فكانت هذه الحادثة هي البداية التي حركت الخليل فاخترع ( الفتحة . الكسرة . الضمة . السكون ) .

تروي كتب الأدب العربي حرص واهتمام الخلفاء والعلماء باللـغة العربية فقد ذكر أن النضـر بـن شميل ( 122 ـ 203 هـ / 740 ـ 819 م ) كان يدخل على الخليفة المأمون ( 198 ـ 218 هـ / 813 ـ 833 م ) في سمره ، وفي إحدى الليالي دار الحديث عن النساء فقال المأمون : حدث هشام عن مجاهد عن الشعبي عن أبن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سَداد من عـوز ” ( بفتح السين في كلمة سداد ) .

فرد عليه النضر بقوله : صدق يا أمير المؤمنين هشام : حدثنا عوف بن أبي جميلة عن الحسن عن علي كرم الله وجهه عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال ” إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيه سِداد من عوز ” ( بكسر السين في كلمة سِداد ) وكان المأمون متكئاً فاستوي جالساً وقال : يا نضر كيف قلت سِداد ؟ يعني بالكسر فقال النضر : نعم لأن السَداد هنا لحن ( السَداد بالفتح ) فقال له المأمون : أو تلحنني ؟.

فأنظر أخي الكريم إلى هذا الخليفة الذي عد اللحن عيباً في حقه ، وهو كما يذكر المؤرخون كان من أعلم خلفاء بني العباس ، فرد عليه النضر : إنما لحن هشام ، وكان لحاناً فتبع أمير المؤمنين لفظه ، فقال المأمون فما الفرق بينهما ؟ قال النضر : السَداد بالفتح القصد في الدين والسبيل ، والسِداد بالكسر البلغة وكل ما سددت به شيئاً فهو سِداد ، فقال المأمون أو تعرف العرب ذلك ؟ فقال النضر نعم هذا العرجي ( ت 120 هـ / 738 م ) يقول :

أضاعوني وأي فتى أضاعوا ……………………… ليوم كريهة وسِداد ثغر

فقال المأمون : قبح الله من لا أدب له وأطرق ملياً ، ثم قـال : كيف حالك يا نضر ؟ فقال النضر: أريضة لي بمرو وأتصابها وأتمزرها ( أشرب صبابتها ) ، فقال المأمون أفلا أفيدك مالاً معها ؟ فقال النضر : إني إلى ذلك لمحتاج ، فأخذ المأمون القرطاس وكتب ، ثم قال : كيف تقول في الأمر من يترب الكتاب ؟ فقال النضر : أتربه ، قال المأمون : فمـن الطين ؟ قال النضر : طنه ، قال المأمون : فمـا هو ؟ فرد عليه النضر : مطين ، فقال المأمون : هذه أحسن من الأولى .

وطلب المأمون بعد ذلك من أحد الحراس أن يذهب بالكتاب مع النضر إلى الوزير الفضل بن سهل ( ت 202 هـ / 817 م ) فلما قرأ الفضل الكتاب قال : يا نضر إن أمير المؤمنين أمر لك بخمسين ألف درهم فما كان السبب ؟ قال النضر : فأخبرت الوزير ولم أكذب عليه ، فقال له الفضل : لحنت أمير المؤمنين فقال النضر : كلا إنما لحن هشام ، فأمر له الفضل من خاصة ماله بثلاثين ألف درهم قال النضر : فأخذت ثمانين ألفاً بحرف استفيد مني .

تأمل أخي القارئ الكريم عناية هؤلاء العلماء والحكام والوزراء باللغة العربية وحرصهم عليها لأنها لغة القرآن الكريم ، وتصور أدب العالم الكبير النضر بن شميل الذي قال : إنما لحن هشام ، ولم ينسب اللحن إلى الخليفة ، وهذا غاية في الأدب والذوق .

فهل آن الأوان كي نعرف أن الخطأ في اللغة أو اللحن أمر له خطورته من جميع النواحي لأنه يقلب المعنى رأساً على عقب ، ولغتنا العربية من أعظم اللغات بها الكثير من الأسماء والصفات للشيء الواحد بعكس اللغات الأخرى كما في الجدول التالي :

ر . م الكلمة عدد الأسماء والمعاني والصفات

1 أسماء الأسد حوالي 500 أسم وصفة

2 أسماء العسل أوردها السيوطي في المزهر حوالي 80 أسماً أو صفة

3 أسماء الحب حوالي 60 أسماً أو صفة

4 صفات الإنسان حوالي 300 أسم وصفة

5 أسماء وصفات الإبل حوالي 120 أسماً وصفة

6 أسماء وصفات الخيل حوالي 90 أسماً وصفة

7 أسماء آلات الحرب والسلاح حوالي 100 أسم وصفة

8 أسماء وصفات الرياح حوالي40 أسماً وصفة

9 أسماء المطر والسحاب حوالي 150 أسماً وصفة

10 أسماء الأطعمة والأشربة حوالي 145 أسماً وصفة

11 أسماء اللباس والطيب حوالي 139 أسماً وصفة

12 أسماء السيف أكثر من 300 أسم وصفة

13 أسماء البحر أكثر من 25 أسم

14 أسماء الرياح أكثر من 55 أسم

وأنظر كذلك أخي القارئ الكريم إلى عظمة وقوة متانة اللغة العربية فحتى أقسام الليل والنهار لكل ساعة أسم معين ، أوردها الأديب أبو منصور الثعالبي ( 350 ـ 429 هـ / 961 ـ 1038 م ) الذي لقب بجاحظ زمانه ، في كتابه ( فقه اللغة وسر العربية ) حيث أورد لكل ساعة من ساعات النهار والليل أسماً ( 24 ساعة 12 ساعة للنهار ، و 12 ساعة لليل ) اليوم القمري طبعاً يختلف عن اليوم الشمسي اليوم القمري يبدأ من الشروق وينتهي بالصباح بعكس اليوم الشمسي الذي يبدأ من منتصف الليل ، وينتهي منتصف الليل وهي :

ساعات النهار ( 1 . الشروق ، 2 . البكور ، 3 . الغدوة ، 4 . الضحى ، 5 . الهاجرة ، 6 . الظهيرة ، 7 . الرواح ، 8 . العصر ، 9 . القصر ، 10 . الأصيل ، 11 . العشي بالكسر ، 12 . الغروب ) .

ساعات الليل ( 1 . الشفق ، 2 . الغسق ، 3 . العتمة ، 4 . السدفة ، 5 . الفحمة ، 6 . الزلة ، 7 . الزلفة ، 8 . البهرة ، 9 . السحر ، 10 . الفجر ، 11 . الصبح ، 12 . الصباح ) .

فهل هناك لغة من لغات العالم بها كل هذه المفردات الجميلة التي كل مفردة منها تدل على معنى معين لا تدل عليه الأخرى بل أن الكلمة الواحدة من الكلمات السابقة لها أسماء ومعاني أخرى عند العرب .

والله الموفق والهادي إلى الخير ……………

محمود عمار المعلول

كاتب وباحث ودبلوماسي ليبي