عبدالرزاق العرادي : كلمات لابد منها حول: جبريل والدين والوطنية والتاريخ والحوار والمفتي

في قسم : منتقى الصحف | بتاريخ : الأحد, 21 أبريل 2013 | عدد المشاهدات 1500

عبدالرزاق العرادي

الحالة الليبية ليس لها من دون الله كاشفة. كلما صفاء لنا الجو كُدر، وهاج فيه الناس وماجوا، ويجد المرءُ نفسه أمام أقوال وأفعال لا مفر من التوضيح والرد عليها. لا شك أن أغلى ما يملكه الإنسان هو دينه ووطنيته وأغلى ما يملكه شعب بعد ذلك تاريخه.

الدين: دين الأنسان وعقيدته خط أحمر ولا يجب تجريد أي شخص منهما، مهما كان السبب، إلا إذا صدر منه كفر بواح. هذا التجريد غير معني به عامة الناس، وهناك آلية يختص بها أهل العلم والقضاء، وبفضل الله هذا لا يحدث كثيراً في بلادنا.

الذي أعلمه عن الدكتور جبريل، أنه انسان يعتز بدينه، وملتزم به، إلا أن الخلاف معه، ليس على الدين، ولكن في فهم الدين. الفهم في الدين يحدث أيضاً بين الجماعات الإسلامية، ولكن لعل الاختلاف مع الدكتور جبريل، متعلق بدور الدين في إدارة الشأن العام، وبالتحديد علاقة الدين بالسياسة، وهذا الذي جعله مادة إعلامية خصبة، ومجال للخصومة السياسية ومسرح للإقصاء.

الوطنية: وطنية الإنسان كذلك خط أحمر، ولا يملك كائن من كان، أن يجرد انسان من وطنيته. لا يستطيع كائن من كان، أن يجرد أي شخص من وطنيته، ولو كان هذا الشخص أعتى رجالات النظام السابق، وأكثرهم جرماً، ما لم تصدر منه خيانة للوطن، بأن يكشف أسرار بلاده للعدو، أو يتجسس عليها لصالحه، إو يقوم بعمل يوصف في القانون بأنه خيانة، بإسثناء ما كان متعلق بأيديولجية النظام السابق، فلا يُعد خيانة بعد ثورة فبراير.

الذي أعرفه عن الدكتور محمود جبريل، أنه رجل وطني يحب وطنه، ويعمل لصالحه. قد يخطي بإعتقاده أن إقصاء هذا أو ذاك عملاً يصب في مصلحة الوطن، أو أنه يرى فكراً بعينه خطر على الوطن. لربما غيره ايضاً يظن، أن الأشخاص الجدليون خطر على الوطن، ولا بأس أن يتنحوا جانبا،ً ويبتعدوا عن الساحة السياسية، حيناً من الزمن، وذلك ترجيحاً لمصلحة الوطن العليا، لكن كلاهما لا يمكن بحال تجريدهما من وطنيتهما.

التاريخ: التاريخ وكتابته يقع فيهما الإختلاف والمغالطات، التي تحتاج إلى توضيح ورد. كما أن الاستعجال في كتابة بعض الأحداث، قد يعرض مصلحة الوطن العليا للضرر، وتحديداً في علاقاته الخارجية. كاتب التاريخ، إو من يسرد الأحداث، في الغالب له ثلاثة محددات تحكم سرده.

الأولى، أنه يرويه من الزاوية أو النافدة التي اطلع منها على الأحداث، وما عايشه منها دون غيرها. والثانية، أن الكثير من هذه الأحداث قد تتعرض للنسيان، أو تتعرض للفهم المختلف حوله، وبالتالي يروي ما يذكر منها إو بالطريقة التي فهم بها هذه الأحداث. واما الثالثة، فإن من تعنيه الأحداث لن يكون منصفاً في سرد النقاط المضيئة بنفس الوزن والقدر التي يروي بها النقاط المظلمة، بل المتوقع أن يضخم المضيء ويغفل عن المظلم.

في تعليق سابق على صفحتي قمت بالرد عن المغالطة الخاصة بقول الدكتور جبريل أن قانون الانتخابات تمت صياغته لصالح تيار معين، وبينت بأن هذا الكلام باطل بالدليل والبرهان. ووضحت ملابسات تشكيل اللجنة الأمنية العليا وقلت بأن هذا الأمر بحاجة إلى مزيد من التوضيح، بواسطة تحقيق مستقل، يحسم الجدل.

الاستاذ علي زيدان والدكتور جبريل، جانبا الصواب، في قولهما أن الدكتور جبريل عارض تدخل الناتو، فهذه معلومة جديدة، لم يسبق الاعلان عنها في أي وسيلة اعلامية في الماضي، ولا علم لي بأن الدكتور جبريل قدم استقالته للمجلس الوطني الانتقالي لانه عارض تدخل الناتو.

الدكتور جبريل اعلن بعد قدومه إلى طرابلس، بعد تحريرها بثلاثة اسابيع، أن ليبيا لم تتحرر بعد، وقال أندرس فو راسموسن الامين العام لحلف شمال الاطلسي في نفس اليوم ان الحلف سيستمر في عملياته العسكرية في ليبيا طالما استمر التهديد للمدنيين، ولم نسمع رفض من جبريل لهذا الاستمرار.

بل أكد جبريل في بروكسل في مارس ٢٠١٢ بأن الاتحاد الأوربي لم يخدم أولويات الحكومة بنزع سلاح الميليشيات، الأمر الذي جعل راسموسن يرد بالقول إن الحلف مستعد للمساعدة في إصلاح مجالي الأمن والدفاع، إذا طلبت السلطات الليبية منه ذلك.

الذي سمعته منه شخصياً وبحضور اعضاء من المجلس الوطني الانتقالي من طرابلس وتحتاج لتوضيح من الدكتور جبريل انه كان يتباحث مع الناتو بشأن تحديد خمسة وثمانيين هدف لصناعة الهبّة في طرابلس وان هذه الاهداف يمكن ان تقلص لستة وثلاثين هدف.

هذه الهبّة التي لم ترى النور لأن ثوار تاجوراء وسوق الجمعة وفشلوم وحي الأندلس وغيرهم من ثوار طرابلس كان لهم رأي أخرى مخالف لما أطلق عليه زوراً وبهتاناً فجر عروس البحر.

رفض التدخل الاجنبي الذي نسمع عنه لأول مرة من الدكتور جبريل، سمعت منه عكس هذا الكلام وهذا الأمر يحتاج إلى أيضاً لمزيد من التوضيح. حيث انه ذكر، وأنا كنت حاضر هذا الكلام، بأنه سوف يتحدث مع الفرنسيين بشأن اعطاء التقدم نحو البريقة غطاء جوي، لانه حسب اعتقادي أن الفرنسيس، بعد أن خسر حزب ساركوزي الانتخابات المحلية في مارس ٢٠١١، اصبحوا بحاجة ماسة إلى تحقيق نصر في ليبيا يمكن ساركوزي من الفوز بإنتخابات الرئاسة في ٢٠١٢.

قام المستشار باستدعاء فوزي بوكتف والاستفسار منه عن امكانية التقدم نحو البريقة لكنه رفض التقدم حتى تُستكمل الدخيرة في الخطين الثاني والثالث ولا يستطيع التقدم بدخيرة كاملة للخط الأول فقط. لم ينجح ساركوزي في الانتخابات ولا ادري ان كان استعجال هذا التقدم نحو البريقة له علاقة بتصحيح إتجاه المنحنى الذي كان يتجه للاسفل بالنسبة لساركوزي وبالتالي ساهم في خسارته في الانتخابات الفرنسية عام ٢٠١٢.

المفتي: مع انني اتحفظ على الطريقة التي وضّح فيها الاستاذ زيدان موضوع بروكسل الامر الذي مهد الطريق امام جبريل ليوصف اصحاب هذا القول بالسطحية إلا أنني أحيي فضيلة العلامة الشيخ الصادق الغرياني لإتصاله بالسيد رئيس الوزراء للتبين منه مباشرة حول حقيقة موضوع بروكسل وبالتالي تحسب للشيخ الصادق لا عليه.

ما فعله الشيخ الصادق هو تطبيق عملى ومصداق لقول ربنا في كتابه “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ”، لكنني في الوقت نفسه اشد على يدي فضيلة الشيخ الصادق بضرورة الاستعانة بمستشارين مختصين في مجال السياسة والاقتصاد والاجتماع للاهمية حتى يستطيع أن يؤدي دوره الذي يحتاجه الشعب الليبي وفي أمس الحاجة إليه.

الاستاذ زيدان وضّح أن هذا الأمر غير صحيح، وأن العلاقات الخارجية لا تصنع بهذه الطريقة، وأن هذا الموضوع شأنه شأن باقي الاشاعات وسوق اغتيال الشخصيات الرائج وبالتالي لم يكن هناك داعي لمزيد من التعليق حوله.

الحوار: لا بديل لنا عن الحوار، الحوار الذي يشمل الجميع، ويجب التوقف عن القنابل الانشطارية والتصاريح الاعلامية التي تنكي الجراح وتعكر الصفاء وتفشل الجهود الرامية إلى إجراء حوار وطني يسع الجميع. هناك مشاكل عميقة يعاني منها الشعب الليبي، وسيستمر يعاني منها ما لم يتم وضع حد لهذه المراهقة السياسية التي مارسها للاسف الجميع. أقول لابد أن يقتنع الجميع بأنه واجب علينا الجلوس الى طاولة الحوار للعبور بهذه البلاد إلى بر الأمان.

بناء الجيش والشرطة وتفعيل القضاء وتحقيق العدالة الانتقالية وعودة المهجرين والمشردين ومحاسبة منتهكي حقوق الانسان، كل منتهكيها بدون تمييز، ومن بعد تحقيق المصالحة الوطنية وتحريك عجلة الاقتصاد والاهتمام بإحتياجات الشباب من علم وعمل وسكن وترفيه وتكوين اسر وغيرها من الملفات الهامة، التي على رأسها صناعة الدستور، هذه الملفات وغيرها بحاجة إلى نوايا صادقة وإلى حوار جاد وعمل دؤوب لإنجاحها، حتى نبني ليبيا التي تسمح لنا بعد ذلك بالتنافس السياسي، أي بمعنى نتعاون الآن ونتنافس لاحقاً.

طرابلس 19/4/2013