الشيخ ونيس المبروك : كلها في النار … إلا نحن ؟!

في قسم : الأخبار في دروس ومواعظ | بتاريخ : الأربعاء, 17 أبريل 2013 | عدد المشاهدات 4534

ونيس المبروك

يسارع كثير من الشباب في ليبيا اليوم ، بتصنيف الجماعات الإسلامية ، والطرق الصوفية ، والمؤسسات الدعوية غير الحكومية ، بأنهم جميعا ، في النار !!

 

لا لخلل في الإعتقاد يوجب الكفر ، أو مضاهاة للمشرع توجب الابتداع ، أو تجانف لإثم يوجب الفسق والفجور !

 

السبب فقط : أن بعض المسلمين ، ارتضى أن يقيم بعض أبواب البر ؛ في هيئة جماعات منظمة تتعاون لوصول مقاصد الإسلام ، وأطلقوا على هذه التجمعات ( أسماء ) وألقاب .تمييزا لها وتحملا لمسؤولية أعمالها . كما سمى القرآن المهاجرين والأنصار ، وميز المصطفى أصحاب بدر وشجرة الرضوان ، وميز الفقهاء مدارس الفقه ( حنفي مالكي شافعي ..) مع أنهم جميعا مسلمون موحدون .

 

نعم إنهم – بحسب فهم هؤلاء – يستحقون النار، … لأن هذه الجماعة،أو الطريقة، أو المذهب ،…هي بكل بساطة وبرود أعصاب ( فرقة) من الفرق التي عناها النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال :

 

“افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة ، والنصارى كذلك ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة ، قالوا : ماهي يارسول الله ؟ قال : ما أنا عليه واصحابي “

 

ففهم هؤلاء الشباب ، أن الأمة الإسلامية ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة ، كلها في النار ( إلا هم ) !!

 

ولماذا هم ؟

 

لان شيوخهم ، لقنوهم ، أن ما عليه المصطفى وأصحابه ، هو ما عليه الشيخ فلان وعلان ، أما البقية من العلماء والمجاهدين والعباد ، فحطب جهنم ، ما بين كلب عاوي ، أو مبتدع يهجر ، وفاسق يحذر !!!

 

أتمنى أن يتسع صدر بعض الشباب لشيء من النقاش :

 

هذا الحديث تكلم عنه أهل الحديث ، وهو لا يخلو من طعن معتبر ، سواء في سنده ،أو في متنه ، فمن حيث السند لا تخلو طريق من طرق روايته مرفوعا ، من رجل مطعون في عدله أو ضبطه !

 

ولهذانجد كثيرا من العلماء ضعف الحديث بل وحكم بوضع بعض زياداته كقوله ( كلها في النار إلا واحدة ) حيث قال الشوكاني “زيادة “كلها في النار” لا تصح مرفوعة ولا موقوفة، و طعن ابن الوزير في هذه الزيادة وقال أنها زيادة فاسدة . وكذلك نص بن حزم على أنها زيادة موضوعة !

 

ولم يحتج الشيخان ( البخاري ومسلم ) بالحديث ولا أسانيده رغم كثرتها ، ورغم ( خطورة ) موضوعه . !!

 

أما من جهة نصه وألفاظه ( متنه ) فإنه لا يخلو من تناقض مع مسلمات الإسلام، ومحكمات التشريع :

 

فهو يخالف صريح القرآن ، حيث يثبت القرآن أننا ( خير أمة أخرجت للناس ) بينما يفيد ( ظاهر الحديث ) أننا أكثر تفرقا وفسادا من اليهود والنصارى .

 

كما أنه يخالف صريح السنة وصحيحها ، حين يحكم بدخول فرق المسلمين الإثنين وسبعين ، إلى جهنم ، مع أن هذا خلاف التواتر( المعنوي )حيث روى البخاري أن من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وجبت له الجنة ولو بعد عذاب ، وروى مسلم : لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فيدخل النار أو تطعمه

 

كما أن يخالف الواقع المشاهد : إذ أن فرق أهل القبلة المغيرة لنهج النبوة هي أكثر من ثلاث وسبعين مما يدل على أن المراد الكثرة – إن صح الحديث -!

 

ولكن هناك سؤال آخر مهم !

 

هب أن الحديث صريح صحيح ، لماذا تدعي فرقة من الفرق أو طائفة من العلماء أنهم وحدهم الناجون ، وغيرهم ( كلهم في النار ) ، لماذا ينصب بعض الدعاة أنفسهم ( حراسا ) على أبواب الجنة ويتفردون بحيازة معايير ( الإنتماء للسلف ) ، وتفردهم بمعرفة ( أسرار ) كنز النجاة المفقود ، الذي حير طوائف المسلمين من الدعاة والعلماء والمجاهدين والعباد ،…. واستطاعوا هم فقط أن يفكوا ( طلاسم ) الباب الوحيد للفرقة الناجية !!.

 

إن تقديم الدين الإسلامي السمح الميسر ، على أن فرقة واحدة فقط هي التي حازت معرفته ، ثم كُبت سائر الجماعات والطرق والمذاهب على وجوهها في النار ، رغم تحريها لرضى الله واتباع السنة ، لهو أعظم إساءة لهذا الدين ، وأقبح دعوة له .

 

ثم ألم يأن الآوان لكشف الستار في أجواء علمية، ورصينة وهادئة ، عن إدعاء فريق من العلماء بأنهم وحدهم ( أتباع السلف الصالح )

 

سيقول بعض المتعالمين : المعيار بسيط جدا ؛ ما أنا عليه وأصحابي !!

 

إذا لماذا اختلفت الأمة في فروع العقائد والعبادات والمعاملات والسياسة ، إن كان ( ما ) عليه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ، لا يُقبل الإختلاف حوله وعليه .

 

بل لماذا اختلف الصحابة أنفسهم ، بمجرد غياب النبي الأمين عليه الصلاة والسلام .

 

ثم ( اتباع السلف ) هل هو اتباع لمضامين، وآراء، واجتهادات فقهية وعقدية معينة ، أم هو اتباع ( لمنهاجهم ) في التلقي، والفهم ،والتنزيل ؟!

 

فإن كان اتباع لأقوال بعينها في مسائل العقائد والعبادات والأخلاق ،…. فأي فريق من الصحابة والسلف يجب علينا أن نتبع حتى ننجو من النيران التي يتوعدنا به الخلف ؟!

 

ثم إلم يؤثر عن السلف أنهم كانوا لا يدعون ( حيازة ) الحق والحقيقة ،

 

الم يؤثر عن الإمام مالك قوله عند بعض الفتاوى : إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين !

 

الم يؤثر عن الإمام الشافعي قوله : رأيي صواب يحتمل الخطأ .

 

أقول لاصحاب الخلق الحسن من إخواني المقلدين :

 

لا تحملوا سعة الإسلام على ضيق صدوركم ، ومحدودية علومكم ، فإن من يتعلم الخلاف يتسع صدره .

 

وإن كانت السلفية تعني نبذ التعصب وتقليد الرجال ، فإنكم بتقليدكم لرجل أو اثنين ، وإيمانكم الجازم بأن الحق هو ما نطق به هؤلاء ، وأن العدل هو من عدلوه ، والمجروح هو من جرحوه ، والحق هو ما رأوه ، إنما تقعون فيما تحذرون الناس منه ، وهو الإبتداع في الدين ، والتعصب المقيت للرجال ، وازدراء مذاهب العلماء ، واجتهاد المجتهدين ، إنكم بهذا المسلك تبثون في أمة محمد صلى الله عليه وسلم الظنون ، وتنشرون الريبة في الفضلاء من أهل العلم والعباد والمجاهدين ، وتقولون ( بلسان حالكم ) هلك الناس! ، وأخشى والله أن يصدق فيكم نبوة المصطفى : من قال هلك الناس فهو أهلكهم !

 

إن هذه الجماعات ليست طوائف ولا فرق ، بل هي ( مذاهب ) دعوية حركية ، وضعت لنفسها وسائل شرعية ، وغايات ربانية ، ولكنها التزمت بالإمارة والتنظيم الذي أمر به المصطفى صلى الله عليه وسلم في السفر القاصد ( إن كنتم ثلاثة في سفر فأمروا أحدكم ) أما مذاهبهم في العقائد والفقه والسلوك فهي مذاهب أهل السنة والجماعة بالمفهوم الواسع ، وإن لم يرتضه أهل نجد .

 

هذه الكلمات هي دعوة للتفكير ،واستلال العبر لمن كان له قلب ، وأحسن الظن ، وتدثر بخلق ( السلف ) ومنهاجهم ، أما غير هؤلاء ، فليسيحوا في اروقة الجدل العقيم ، حتى يتحرروا من ( رق) شيوخهم ،وعندها فقط سيعلمون حجم الخسارة ، وقيمة الأوقات والأعصاب التي أهدروها جراء هذا التعصب المذموم!