مصطفى مراجع الرعيض : محاذير القفز على الواقع

في قسم : مقالات في منتقى الصحف | بتاريخ : الإثنين, 15 أبريل 2013 | عدد المشاهدات 979

مصطفى الرعيض

“المرحلة الانتقالية هي المسافة الزمنية التي يجب أن تٌقطع من نقطة الانطلاق إلى الهدف إذ لا يمكننا التعامل بمنطق الفائز والدولة المستقرة ونحن في بدايات الانطلاق”

عندما يتناسى رئيس حكومة مؤقتة نفسه فيتعامل مع الواقع كأنه رئيس حكومة مستقرة تدعمه مؤسسات دولة وسياسات ثابتة فيتجاوز الأزمات ومراكز القوى والنفوذ فيٌقصي من يريد ويثبت من يريد دون اعتبار للواقع ولعدم امتلاكه لقوة الدولة فإنه يكون قد حكم على نفسه بالفشل.

ما فعله رئيس الحكومة علي زيدان أنه قفز على الواقع بتعقيداته وقذف بنفسه في نقطة مستقبلية لا يملك أسسها فانشغل بقضايا على حساب قضايا، وأقصى قوى حية كانت يمكن أن تكون عوناً في بث الأمن والاستقرار، بل وجعل من نفسه خصماً لبعض الاتجاهات وأضعف من هيبة حكومته بدل أن يٌكسبها رصيداً شعبياً، ووصل ضعفها أن أغٌتيلت رموز وطنية و خطف موظفين للدولة لم يٌعثر على بعضهم حتى الآن.

لقد جرّت علينا جمعة انقاذ بنغازي فتنة أدت إلى إقصاء تيار شبابي وأبعدته من المشهد في مرحلة حرجة وسببت فراغاً ملئه أصحاب الجريمة المنظمة، وعصابات المخدرات والجرائم الجنائية، وفي ظرف ضعف للأجهزة الأمنية وصلت في حد العجز أن تحمي المستشفيات العامة التي طالتها أيدي الإغتيالات حتى وصلت لغرف الغمليات والأطباء المناوبون، فلا الشرطة أثبتت وجودها، ولا الأمن تحقق. “لا بات ولا خلى هله ايتعشوا”.

مسمى الدولة بمفهوم محدد في ضرورة تكونها من رجال شرطة وجيش وأمن كان هو المسيطر في أذهان الكثيرين، سواء بسبب الضخ الإعلامي أو من الخصوم فكان هاجس التخلص من مسمى الثوار بأي طريقة كانت هو الطريق لبناء الدولة، فكان لزاماً على كل مسؤول في الدولة أن يعمل على اقصاء هؤلاء وإبعادهم من الحياة السياسية.

في غمرة حماسنا لضرورة شكل الدولة بأن يكون لها رجال شرطة وجيش تضخم مفهوم رجال الدولة على مفهوم المواطنة للجميع، وحق المشاركة والتساوي، فصارت مكانة رجل الأمن والشرطة ولو كان بعضهم غير مؤهل هي أفضل من أي ثائر لا يمتلك صفة وظيفية في الدولة، فبدلاً من إيجاد تصور وشكل يٌبقي على تشكيلات الثوار وفصائلهم مع ضمان ولائهم صار الهدف هو دفعهم وإظهار تبعيتهم لأشكال وتوصيف الدولة القديم من قيادات الجيش والشرطة وهو الشكل المحدد الوحيد لانضمامهم ممّا شكل احراجاً وتعقيدات لعدم وجود الثقة والتوجس من بعضهما البعض، ولم يتم إبداع جديد يخرج عن التقليد ويناسب الحالة الليبية الراهنة.

صار الهدف ليس إقصاء الفاسدين وأصحاب السوابق وغير المؤهلين من أجهزة الجيش والشرطة، بل هو إقصاء الثوار وكأنها عقوبة على ما قدموه من تضحيات وفداء لهذا الوطن، ومع أن المرحلة هي أكبر من قدرات الجيش والأمن لبث الاستقرار إلا أن رئيس الوزراء لم يفكر في الحلول المحلية وصار يبحث عن حلول خارجية لبث الأمن والاستقرار وأصبح يحدثنا عن شركات أمنية بعقود يستجلبها من الخارج تحمي حكومته ومؤسسات الدولة، ولم يلتفت الدبلوماسي القديم أن فكرة الشركات الأمنية يمكن صنعها محلياً من قوى الثوار فتكون الفائدة مزدوجة، إذ أهل مكة أدرى بشعابها فالثوار أدرى بالواقع وبالثائر الحقيقي من غيره، فلا أقل من ذلك من استخدام الثوار فيكون زيتنا في دقيقنا كما يقول المثل.

ربما يكون لبعض التشكيلات والفصائل المسلحة من الثوار لها مفاهيمها الخاصة بمفهوم الدولة لا يتطابق مع مفهوم الدولة الحديثة، لكن ليست كل فصائل الثوار بهذا المفهوم، ونسبة هؤلاء قليلة جداً ومعاملة الجميع بنفس المفهوم خطأ لا ينبغي الوقوع فيه، كما أن الحوار والنقاش معهم لايجاد صيغ مشتركة كما بدئها وزير الداخلية هو أفضل من جعل الجميع خصوم للدولة أو الحكومة، وهذا يحتاج إلى جهود مشتركة من مؤسسات المجتمع المدني ومن الرموز الوطنية، ومن قادة الأحزاب والدعاة كي يساهم الجميع في الاوافق والعيش المشترك تحت سقف الدولة.

في كل هذه التجاذبات الواقعة يوجد مستفيد ومستهدف علينا بتحديدهما كي ندرك مدى الخطر الذي يهدد الجميع، فالمستفيد الأكبر من هذا الوضع الراهن ليس فصيل سياسي ولا أي توجه جهوي أو قبلي، ولا أي رموز أو شخصيات وطنية فالخطر يهدد الجميع إنما المستفيد هم تجار المخدرات وشبكات الإجرام وأصحاب الجريمة المنظمة هؤلاء هم أعداء الوطن وما لم يتكتف الجميع ثواراً ورجال دولة، مدنيين وعسكريين فإن الفساد سيزداد انتشاراً.

وليس المستهدفين في المقام الأول هم الاسلاميين أو العلمانيين ولا مناطق دون مناطق إنما المستهدف هم أجيالنا من أبنائنا وبناتنا في مدارسهم وجامعتهم يٌراد لهم أن يغرقوا في المخدرات والفٌحش وأن يعيشوا بدون هدف، ويراد لنا أن نعيش شعباً مستهلكاً عابثاً طائشاً لا يقوم بنهضة، ولا يرفع وطن. فإذا انشغلنا بصراعتنا ضاعت منا أجيالنا القادمة.

فأجعلوا الوطن يسع الجميع على خلافاتهم وأسعوا نحو التوافق.