إتحافُ الكرام بإضاءةٍ في فقه التَّظاهُرِ والاعتصام ..! د.فتحي خليفه عقوب

في قسم : أقلام وآراء في قضايا شرعية في كتاب وآراء في منتقى الصحف | بتاريخ : الإثنين, 15 أبريل 2013 | عدد المشاهدات 2485

كثُرَتْ ظاهرة الاعتصامات والتظاهرات واستشرتْ، وللأسف تحت غطاء “المطالبة بالحقوق” ونظرا لأن كثيرا منها يقع دون فقه ولا وعي بأهدافها ولا وظائفها ولا بكيفية استثمارها، فإنها تكون من وجه استيفاء للحقوق، لكنها من الوجه الآخر قد تكون إهدارا لحقوق أكثر أوأكبر! بل حتى صارت أحياناً كثيرة وسيلة لتحقيق مكاسب شخصية ومصالح فئويّة محدودة .. وفوق ذلك غاب عن تفكير كثير من المعتصمين أن توفّر الأسباب والمبررات ليس كافيا بذاته لإطلاق عملية الاعتصام أو التّظاهر والدخول فيها، إذ إنَّ للاعتصام والتظاهر السلميين آدابٌ وضوابط يجب على كل مواطن احترامها والتقيّد بها، لا لذاتها وإنما ليتمكن المواطن مِن تحقيق مطلبه وبلوغ هدفه واستيفاء حقه، ولا يكون سببا في هدرِ مصالح الآخرين أو تعطيلها لجلب مصلحته الشخصية أو الفئوية تلك. نعم، لقد أعطى الإسلام – دين الفطرة – الحقّ لكل مواطن في التعبير عن رأيه بكل حرية بل وفرض عليه أن يحافظ على حريته وكرامته وأن يقول الحق ولو كان مراً، وأن يصبر على كل ذلك وإنَّ سنّة الله تعالى في التغيير مرهونة بتغيير النفوس أولاً تقول : ( إنَّ الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم ) .. من هنا وجب قبل كل شيء، مراجعة أنفسنا وهل فعلا قمنا بما علينا ونفذنا واجباتنا تجاه ربنا وتجاه وطننا وأهلنا ؟! الخطوة الثانية تكمن في استشعار المسؤولية عما استؤمنا عليه وما جعله الله تعالى تحت قدرتنا من سلطة ومن مصالح الناس، وبداية فإن الثقافة العامة للاعتصامات تهدف في مفهومها الصحيح إلى جانب استيفاء الحقوق المشروعة، إلى كسب الرأي العام وتحشيده لصالح قضية تلك الحقوق، التي يرى أصحابها أنها عادلة وأنها تصبُّ في مصلحة الوطن وهم جزء منه، لذا فإن أولى الخطوات إذا ما قررت مؤسسة أو جهة معينة السير في خط المطالبة بالحقوق وفقا للشرع والعقل، هي أن تُظهر مطالبها العادلة وتبين حقوقها المستلبة وتوثق ذلك بالنواحي القانونية واتباع الإجراءات الرسمية بالوسائل المتاحة وتتخذ كافة الخطوات والتدابير للتعريف بكل عمل مِن هذه الأعمال للرأي العام و وضعه في الصورة في كل ما يجري بين الجهة أو المؤسَّسة وبين الأطراف الرسمية المُطالبة بالوفاء بالحقوق، وبعد القيام بكافة الواجبات والتبيين والتوضيح، وإقحام الرأي العام ومؤسسات المجتمع المدني في الموضوع، ينبغي إمهال الجهات الرسمية فترةً كافية لاتخاذ الإجراءات اللازمة لاستيفاء حقوق أولئك الأشخاص أو الفئة المعنيّة، فإنْ لم تستجب تلك الجهات، ولم تقدّم مبررا قانونيا مقبولاً، عندها يصير الاعتصام مُبررا ويصير سكوت تلك الجهات الرسمية وغياب الرأي العام عن التفاعل مع الموضوع بعد أن بُيّن له الأمر، عندها صار الاعتصام مُبررا طالما توفّرت فيه الضوابط السابقة والتزم بالآلية الصحيحة، ومن أهم الآداب التي ينبغي مراعاتها : 1- وضوح الهدف من الاعتصام وتحديد المطالب منذ البداية. 2- أن يغلب على الظن أنْ تكون المنفعة فيب اعتماد وسيلة الاعتصام أو الإضراب أو التظاهر السلمي هي الأجدى والأكثر نفعا والأقل ضرراً. 3- عدم اللجوء على العنف ولا استخدام أي وسيلة من وسائل العنف وعدم إراقة أي دماء أوأيّة صورة مكن صور الاعتداء على الناس او على حقوقهم. 4- تحمل المسؤولية كاملة فكلُّ موظّف أو مسؤول صغر أم كبر منصبه مسؤول عن تسيير أعمال الدولة وإقامة مصالح الناس، لقوله عليه الصلاة والسلام : ( كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته ) فالأولى التوجّه نحو الحوار الهاديء والهادف واعتماد مبدأ التناصح بين الأفراد والمؤسسات وأجهزة الحكومة وإداراتها. 5- أن لا يتضمن الاعتصام أيّة مخالفات شرعية كالاختلاط الغير مشروع. 6- أنْ لا تؤدي إلى ترويع المواطنين الآمنين أو الاعتداء على ممتلكاتهم وبيوتهم وانتهاك حرمات البيوت والأسر. 7- أنْ لا يؤدي إلى تعطيل مصالح الناس والبلاد أو إهدارها. 8- أنْ لا يتم فيها أيُّ تَخريب للممتلكات العامة أو الخاصة. 9- التّثبت من أنَّ التَّظاهر أو الاعتصام لا يُستغلَّ مِن قبل أيّة أطراف أو أشخاص لهم أهداف خاصة وغايات قد تخرج بالفعالية عن هدفها وتفرغها من مضمونها. 10- عدم استخدام الألفاظ أو العبارات أو الشعارات النابية. وبهذا فإن الاعتصام سيكون ظاهرة صحية ويحقق غرضه دون إضرار بالصالح العام ولا بأمن البلاد والمواطنين، وكذلك يحقق التفاف الرأي العام ومؤسسات المجتمع المدني مع أصحاب الحقوق المشروعة مما يقوي شوكتهم ويزيد فرصهم في استيفاء حقوقهم ويُلجئ الجهات الرسمية لسماع صوتهم بأقل أضرار، وأكثر مصالح ممكنة، بدل أن ينالهم الطعن والتهجم من قبل العامة والخاصة، لأنهم لم يسلكوا الطريق الصحيح للمطالبة بحقوقهم، و” الحق قد يعتريه سوء تعبير” كما يُقال، والحق عزّ وجل يقول : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) سورة المائدة آية 8 فليس من العدل اللجوء إلى الاعتصام والتَّظاهر مباشرة ودون مُقدّمات وقبل استنفاد كل المحاولات، فهو فوق كونه دلالة على غياب الوعي وقلة الفقه والخلق الحميد، هو مبررٌ لضياع تلك الحقوق وإهدارها مع حزمة من المصالح الوطنية العامة التي لا ينبغي التساهل فيها أو العبث بها حتى وإن كانت المحافظة عليها قد تؤدي إلى تعطيل أو إهدار مصالح خاصة أو شخصية أو فئوية؛ فدائما وأبداً المصلحة العامة مقدَّمة على المصالح الخاصة، عقلا، وشرعاً، وقانوناً .. نسأل الله تعالى أن يحفظ البلاد، وأن يوفق العباد، إلى طرق الرشاد ..