الإخوان المسلمون في ليبيا (2)

في قسم : إلى ماذا ندعوا في منتقى الصحف | بتاريخ : الثلاثاء, 9 أبريل 2013 | عدد المشاهدات 1807

قلم

 

أبوبكر بلال الأمين.

 ــ الإخوان والخلاف.

يبتعد الإخوان المسلمون عن مواطن الخلاف الفقهي في الفروع والذي كان السبب الرئيسي للتناحر بين المجموعات الدينية سلفية وصوفية تلك التي نشات دعوة الإخوان بعدها.

حيث من المستحيل حمل الأمة الإسلامية على رأي واحد وأن الخلاف الفقهي في الفروع نشأ منذ عهد المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ ففي غزوة بني قريظة أمر المصطفى أصحابه { لا تصلن العصر إلا في بني قريظة } فهم بعض الصحابة ـ وقد حان وقت صلاة العصر ـ أن الأمر مقصود به الإسراع في المشي فصلوا في مكانهم، بينما فهم آخرون منهم أن الأمر على الظاهر فلم يصلوا إلا في ديار بني قريظة؛ فلما رفعوا الحادثة للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أقر كلا الرأيين.

ولما أمر أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي الإمام مالك رضي الله عنه بأن يضع له كتابا يحمل الناس عليه في الأمصار الإسلامية رفض الإمام مالك ذلك قائلا: ( إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا فى الفروع، و تفرقوا فى البلدان )

ينسحب هذا الأمر على عصرنا هذا حيث تدور خلافات فقهية فرعية أحدثت شرخا في علاقات كثير من الناس لا سيما المتدينين منهم، كمسألة رفع الإزار وإعفاء اللحية.

لا يأبه الإخوان لهذه الخلافات الفقهية الفرعية ويتركون المجال لأي شخص أن يأخذ بأي رأي رآه ولا ينكر على الرأي الآخر طالما أنها أمور فرعية متاح فيها الخلاف، والخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية؛ فقد تجد أحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين طليق اللحية آخذا بالقول القائل بوجوبها، وتجد آخر حليق اللحية آخذا بالقول القائل بندبها أو بأنها من قبيل العادة.

علاوة على ذلك كله فإن الاختلاف في رأي الإخوان سنة كونية أعلنها القرآن الكريم في مواضع عدة: { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم }.

 

ــ سنة التدرج مسلك الإخوان:

 

ينهج الإخوان المسلمون سبيل سنة التدرج الكونية في دعوتهم الإصلاحية وفق فهم الإسلام الشمولي الذي بيناه فيما مضى؛ ذلك لأن التدرج هو السبب الرئيسي في علاج المشكلات والقضاء على الآفات والأمراض التي أصيب بها المجتمع الإسلامي نتيجة غزو المستعمر له وما أفرزه من ثقافات هدفها إبعاد المجتمع عن دينه الذي يحمل في طياته مشروعا حضاريا لنهضة الأمة والرقي بها.

يحدثنا عن ذلك دعوة المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين تدرج في دعوته فمن دعوة سرية إلى دعوة جهرية إلى الهجرة إلى الحبشة إلى البحث عن سند اجتماعي ونصرة من القبائل إلى الهجرة إلى المدينة وبناء الدولة الإسلامية الأولى فيها.

كما يحدثنا عن ذلك الخليفة الخامس الراشد عمر بن عبد العزيز حين حاول أن يرجع الحكم شورى بين المسلمين بعد أن تحول إلى الملك العضوض على أيدي أسلافه الأمويين حيث قال له ابنه عبد الملك: يا أبت مالك لا تنفذ الأمور فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق؟ فرد عليه عمر: لا تتعجل يا بني؛ إني أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة فيدفعونه جملة فيكون من ذلك فتنة.

وغني عن القول أن كثيرا من الأحكام الشرعية قد أقرت وفق هذه السنة الكونية سنة التدرج، كحكم تحريم الربا وحكم تحريم الخمر حيث كانتا عادتين جاهليتين استمرتا مع بداية الدعوة الإسلامية؛ فلما جاء الإسلام قضى عليها وفق هذه القاعدة ولم يقض عليها دفعة واحدة هكذا لدرايته التامة بأن الاجتثاث فجأة قد يؤدي إلى عواقب وخيمة قد تكون الردة عن دين الله من بينها.

لذلك فإن الإخوان المسلمين قد وضعوا استراتيجية لعلاج الخلل الذي أصاب المجتمع الإسلامي والذي أدى به إلى البعد عن إسلامه تبعا لظروف معينة تمر بها كل أمة من الأمم من ضعف وتخلف وانحطاط.

بدأ الإخوان بتكوين الفرد المسلم وتثقيفه وفق الفهم الشامل للإسلام وتربية هذا الفرد وفق وسائل التربية عند الإخوان المسلمين التي سنتعرض لها فيما بعد عند حديثنا عن الإخوان من الداخل.

هذا الفرد يجب أن تتوفر فيه مواصفات معينة وهي أن يكون قوي الجسم متين الخلق مثقف الفكر قادرا على الكسب والعمل سليم العقيدة صحيح العبادة مجاهدا لنفسه حريصا على وقته منظما في شؤونه نافعا لغيره ومجتمعه ووطنه.

ثم بعد تكوين الفرد المسلم يكون البيت المسلم؛ لأنه إذا وجد فرد مسلم بهذه المواصفات التي تقدم ذكرها فإن هذا الفرد وفق المواصفات المذكورة سيفرز بيتا مسلما حيث يؤثر هذا الفرد في مجموعة من الأفراد يتكون منهم البيت المسلم.

هذا البيت مواصفاته: المحافظة على الآداب والأخلاق الإسلامية وكافة مظاهر الحياة المنزليةوحسن تربية الأبناء.

وبعد البيت المسلم تأتي المرحلة الثالثة وهي المجتمع المسلم، فمجموعة من البيوت المسلمة تكوِّن مجتمعا مسلما مواصفاته: الدعوة إلى الخير ومحاربة الرذائل والمنكرات وتشجيع الفضائل ويتم فيه العمل والإنتاج وتنتشر فيه الأمانة وتبرز أخلاق العطاء والإيثار.

وبعد البيت المسلم تكون الحكومة المسلمة لأن المجتمع المسلم سيفرز حكومة مسلمة تلتزم شرع الله وترعى الله في الشعب وتلتزم حقوق الإنسان في الحرية والأمن والعمل والانتقال والتعبير عن الرأي ومزاولة حقه في المشاركة واتخاذ القرار.

وبعد الحكومة المسلمة تكون الدولة الإسلامية؛ لأنه إذا التزمت الحكومة المسلمة بشرع الله عز وجل سيؤدي ذلك إلى وجود الدولة الإسلامية النواة التي تقود الدول الإسلامية وتضم الشتات وتستعيد المجد وترد للمسلمين أراضيهم المسلوبة.

وبعد الدولة الإسلامية تكون الخلافة الإسلامية والتي نعني بها وحدة المسلمين وقوتهم أمام القوى الأخرى المتكتلة والمتوحدة تحت إطارات مختلفة، ولا نعني بها شكلها القديم بمعنى أن تكون الخلافة تحت شخص واحد يسمى خليفة المسلمين، فالمقصد من الخلافة هو وحدة المسلمين وكلمتهم التي ستؤدي إلى المرحلة الأخيرة وهي أستاذية العالم؛ لأن قيام الولايات الإسلامية المتحدة ستعيد الكيان الدولي للأمة وتؤكد دورها الحضاري في تحقيق السلام والأمن والحرية في العالم وتحول دون محاولات الهيمنة من قبل القوى الأخرى.

وهكذا عن طريق سنة التدرج التي تبدأ من الفرد وتنتهي بأستاذية العالم يكون عملنا، من خلال الدعوة والتبليغ وعن طريق حركة فكرية أو ثورة فكرية إذا جاز التعبير نستطيع بها أن نقلب واقع هذه الأمة المرير.