الإخوان المسلمون في ليبيا (1)

في قسم : إلى ماذا ندعوا في في المنهج في منتقى الصحف | بتاريخ : الأحد, 7 أبريل 2013 | عدد المشاهدات 2225

أبوبكر بلال الأمين

أبوبكر بلال الأمين

 

الإخوان المسلمون حركة تجديدية جددت فهم الإسلام؛ فمن المعروف أن الأمة الإسلامية تمر بمراحل تنتشر فيها الخرافة والدروشة والبعد عن الدين وفهمه الصحيح، ولذلك قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: { يبعث الله على كل رأس مئة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها }.

فسر بعض العلماء هذا الحديث على أن التجديد قد يقوم به فرد، وقد تقوم به مجموعة، ومثلوا للفرد بسيدنا عمر بن عبد العزيز وهو من أمراء الدولة الأموية الذي حاول بعد أن وصل إلى الحكم أن يرجع الحكم شورى بين المسلمين كما كان في عهد الخلفاء الراشدين وقبل أن يتحول إلى الملك العضود في عهد الدولة الأموية ولذلك سمي بخامس الخلفاء الراشدين.

وكذلك مثل الإمام الشافعي رضي الله عنه والإمام الغزالي وغيرهم من المجددين رضوان الله عليهم.

ومثلوا للجماعات والحركات بالحركة الوهابية والحركة المهدية والحركة السنوسية وأخيرا حركة الإخوان المسلمين.

لقد استفاد حسن البنا مؤسس الحركة من تجارب الحركات التجديدية قبله سواء على مستوى الشكل أو المضمون، فعلى مستوى الشكل اختار البنا وأصحابه المؤسسون اسما لحركتهم خوفا من الشخصنة التي اتسمت بها الحركات التجديدية قبله حيث سميت بالحركة الوهابية بالوهابية نسبة إلى مؤسسها محمد بن عبد الوهاب، والحركة المهدية بالمهدية نسبة إلى صاحبها محمد المهدي، والسنوسية بالسنوسية نسبة إلى الإمام المجدد محمد بن علي السنوسي، فتفادى حسن البنا وأصحابه هذا الأمر حتى لا تسمى الحركة بالحسنيين أو البنيين فيكون ذلك سببا لموت الحركة التجديدية الإصلاحية بموت صاحب الفكرة كما حدث لبعض الحركات قبله.

أما على مستوى المضمون فإن البنا رحمه الله لما رأى أن كل الحركات قبله قد ركزت على جانب معين من جوانب ديننا الحنيف فإنه قد ركز في دعوته على الجمع بين كل هذه الجوانب وفق مبدأ الإسلام الشمولي الذي سنتعرض له لاحقا.

هذه الحكرة حركة الإخوان المسلمين انتشرت في أغلب أقطار العالم الإسلامي كما انتشرت في بعض الأقطار غير الإسلامية كما هو شأن أي حركة تجديدية سبقتها وكما هو شان أي فكر أو دعوة، فالفكر والدعوة لا تعرفان الحدود ولا التخوم الجغرافية حتى نستغرب ونتساءل كيف تخطت هذه الفكرة أو هذه الدعوة أرضا نشأت وترعرعت فيها وانتقلت إلى أرض أو بقعة غيرها؛ فالحركة السنوسية التي نشأت في ليبيا وفي مدينة البيضاء تحديدا تعدت هذه الرقعة الشاسعة من الأرض المسماة ليبيا حتى غطت جزءا واسعا من البلاد الإفريقية علاوة على بعض الأقطار العربية والإسلامية.

نشأت حركة الإخوان المسلمين في ظل ظروف مغايرة غير الظروف التي نشأت فيها الحركات التجديدية الأخرى التي تشأت في جو تغلب عليه الخرافة والدروشة والوقوع في بعض الشركيات الصغيرة والكبيرة؛ أي نشأت في جو ضربت فيه هذه الأمة في عقيدتها، ولذلك فقد رأينا أن هذه الحركات قد ركزت على جانب العقيدة أو الإيمان.

أما حركة الإخوان المسلمين فإنها نشأت في ظل تيارات عديدة كان تيار الخرافة والخلل في العقيدة من بينها، إلى جانب ذلك كان هناك تيار آخر هو التيار العلماني الذي جاء إلينا وافدا مع الاستعمار الغربي الذي اجتاح البلاد الإسلامية وما زلنا نعاني آثاره إلى يومنا هذا؛ حيث كان هذا التيار يدعو إلى فصل الدين عن الدولة، وأن مكان هذا الدين هو ضمير الفرد، وأنه يجب أن نؤمن بالعقيدة بالله وملائكته وكتبه ورسله، و لايجب أن نؤمن بالشريعة التي يراها هذا التيار أنها كانت مناسبة لعصر معين هو عصرها التي ظهرت فيه، وأنها غير صالحة لعصرنا الذي يحتاج إلى شريعة أخرى تظهر فيه كالقوانين الوضعية.

كما كان هناك تيار آخر هو التيار الديني الممثل في تيارين أحدهما صوفي يرى أن الإسلام هو عبارة عن روحانية وضرب من الراحة النفسية، والآخر سلفي ظن أن الإسلام هو عبارة عن عبادات يؤديها المسلم تجاه ربه جل وعلا فإذا أداها فإنه اعتقد أنه قد وصل إلى لب الإسلام، وكان هذان التياران متناحرين بينهما عداوة شديدة كثيرا ما تصل بهم إلى العراك والمشاجرة.

دعت حركة الإخوان المسلمين إلى الفهم الشمولي للإسلام؛ أي: أن الإسلام هو نظام شامل كامل ينظم شؤون الدنيا مثلما ينظم شؤون الآخرة، فالله سبحانه وتعالى هو القائل في كتابه: { ما فرطنا في الكتاب من شيء } ويقول: { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين }، ويقول: { ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يده وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } ويقول: { أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا }.

فالإسلام الذي جعله الله خاتم الرسالات السماوية جاء ليكون نظاما لهذه الحياة؛ ففي أمور السياسة يقول المولى في كتابه: { وان احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم } ويقول: { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } { الظالمون } { الفاسقون }.

وفي أمور المال والاقتصاد يقول: { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل } إلى أن قالك { وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة } وهي الآية المعروفة بآية الدين حيث جعلها الله عز وجل أطول آية في القرآن الكريم عناية منه بهذا الجانب الاقتصادي.

وفي الأمور الدستورية يقول: { وأمرهم شورى بينهم }

وفي الأمور القانونية: { وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل }

وفي الأمور الجنائية: { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى }

وفي الجهاد يقول: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } وفي العلاقات الدولية: { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين }.

وفي العلم والتعليم يقول: { اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان مالم يعلم }

وفي محو الأمية أطلق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مشروعا لمحوها؛ حيث أطلق عليه الصلاة والسلام سراح المشركين من أسرى بدر مقابل أن يعلم أحدهم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة، وذلك سعيا منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لمحو الأمية عن هذه الأمة.

وفي الصحة يقول الحديث الصحيح: { المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف } ويقول: { إن لبدنك عليك حقا }.

وفي علم الوقاية حذر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم من العدوى وطلب الفرار من المجذوم، وأعلن الحجر الصحي على البلد المطعون وأهله فلا يتركونه حتى لا تنتقل العدوى ولا ينزله غيرهم حتى لا يصابوا بالعدوى.

وهكذا فإن دعوة الإخوان بصفتها دعوة تجديدية جاءت بهذا الفهم الشامل للإسلام الذي يعتقد بأن الإسلام منهاج حياة ينظم كل شؤونها وشتى مجالاتها.

لكن دعوة الإخوان المسلمين إذ تعتمد هذا الفهم للإسلام فإنها تعتقد أن الإسلام لم يكن في يوم من الأيام عائقا أمام التطور والتقدم وأمام الأشياء النافعة التي لا تتعارض مع ديننا الحنيف أيا كان مصدر هذه الأشياء شرقيا كان أو غربيا، فرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: { الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها }، كما أن سيرته وواقعه يحدثاننا عن ذلك، فهو قد استخدم المنبر في الخطب وهو من صنع الفارسيين، كما اقتبس فكرة الخندق في غزوة الأحزاب وهي فكرة فارسية أشار بها عليه الصحابي الجليل سلمان الفارسي، وكذلك فعل الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين نظم دولته بنظامي الدواوين والخراج وهما نظامان فارسيان.

هذا فيما مضى في العهد الأول، أما في عصرنا فإن هناك أشياء نافعة مقتبسة من الغرب لا تتعارض مع ديننا الحنيف كالنظم الإدارية التي تنظم العملية السياسية والتعليمية ومؤسسات الدولة كالانتخابات والديمقراطية السياسية وغيرها.