ليبيا ، آلام تفوق سقف الآمال ” د.فتحي عقوب

في قسم : أقلام وآراء في منتقى الصحف | بتاريخ : الأحد, 31 مارس 2013 | عدد المشاهدات 1025

د. فتحي خليفه عقوب

“في ظل أصداء حادثة الاعتداء على العائلة الباكستانية في أطراف بنغازي”

رغم فداحة حادث الاعتداء على العائلة الباكستانية الذي هزّ مدينة بنغازي، واستثار الرأي العام في ليبيا، لكني وبكل أسف وأسى أقول : بأن ما حدث لا يعكس سوء الأوضاع والظروف الاجتماعية ومجمل أوضاع البلاد وأحوال شبابها، لا أحبُّ التشاؤم ولا أرضى بالترويج للإحباط، لكنَّها “الحقيقة المُرَّة” التي تدهمنا ولا تترك لنا مجالا للمجاملة والترقيع، وكأنِّي ببعض ردودِ الأفعَالِ، تَشي بحالة من الغَيبوبةٍ عن واقع الشارع والمجتمع؟!

الأمرُ غاية في الوضوح؛ فإنك لا تكاد تخرج في وقت متأخر في ليلةٍ من ليالي شوارع وأحياء العاصمة إلا وتصادف أعدادا متفاوتة من الشباب بل والفتيات أحياناً، مخمورين أو مُخدّرين، وقبل أيام أفادني مسؤول بإحدى المدارس بما صدمني من واقع مدارسنا، وصُعقت بأن نسبة كبيرة من طلاب مدارسنا بدءاً من المستوى السَّابع “أول إعدادي” مُدمنون للمخدرات! وأن الحبوب المخدِّرة رائجة وفي متناول الجميع! بل هي أرخص أحياناً مِن قطع الحلوى!!

فقلتُ في نفسي أيُّ مؤامرة خبيثة تلكَ؟!

لا بل قبل هذا .. أيُّ مجتمعٍ نعيش فيه – لطالما شنَّف البعضُ مسامعنا بأنّه مجتمعٌ، مُسلمٌ، ومُتديّن، بل فوق ذلك، وَسطي! – لا أدري عن أيِّ دين وتديّن فضلا عن وسطية يتحدّثونَ؟!! إن الدين ما لم ينعكس في أخلاق الأفراد وسلوكهم ومعاملاتهم وعلاقاتهم بل وتصوراتهم، مجتمعنا تتقاذفه أمواج من الدعايات الباطلة والدعوات الهادمة وفوق ذلك المنظمات التي تنشط في الأطراف والمناطق النائية وتعمل في غياب شبه تام للدولة وللحسّ الوطني الذي يباع بثمن زهيد وبعرض قريب قليل !..

لطالما أرقتني أسئلة، وأنا أشاهد وأتابع هذه الأوضاع المؤلمة المؤسفة التي تعيشها بلادنا، ويزداد الألم والأسى حين أستعرض في الذّاكرة جانباً من مشاهد الثورة وصور شهداءنا الأبرار الذين سارعوا إلى مغفرة من ربهم وجنة عرضها السموات والأرض؛ هل تركوا لنا هذه التركة الثقيلة لنُسلم أمورنا لرعاء من الناس يعبثون بمصير الأبناء والأجيال بهذه الطريقة؟! ثم تجدهم يتطاولون على دين الله في وسائل الإعلام ومن على كراسي الحكم والسياسة، وتتوارد الأسئلة المقرّعة تهتف بي :

أين ساستنا وقادة الرأي وفرسان المنابر والمنصّات مما يحدث؟!

أين الدُّعاةُ والوعَّاظ ومؤسسات المجتمع المدني المسيّسة؟!

أين أولياء الأمور الآباء والأمهات، والأخوة والأخوات، وذوي القربى والجيران؟!

أين رجال الأمن والشرطة، بل أين الثوار الذين كان التكبير شعارهم؟!

أين مدراء المدارس والمعلمين والمربين وأهل التوجيه في قطاع التربية والتعليم؟!

أين دعاة الإصلاح والبناء والنهضة والتنمية و….الخ؟!

أين نحن جميعاً من واقع مؤلم، لا تكاد تجد – إلا مَنْ رحم ربي – مَن يقف عند مسؤولياته ويُراقب أداءه ونسبة إنجازه من تلك المسؤولية، ويسعى جاهداً لاستكمال نقصه ليكمل دوره ويملء مكانه، بل تَجده يَهتم أكثر بمراقبة الآخرين وحربهم والتدقيق في قولهم وفعلهم وتفسير كل ذلك على أسوأ الوجوه وأبعدها، لتحقيق مكاسب وهميّة، لأن من ظنّ أنه سيحقق مكاسب في مجتمع تتقاذفه أمواج التحلل والانحلال ويراد له أن تتيه في مستنقع الفساد والرذيلة، فهو واهمٌ غافل، وفوق ذلك لا يكلف نفسه أن ينظر فيما بين يديه وأين هو من واقع مجتمعه وبلده، يحبس نفسه في وهمٍ فاضح وسذاجةٍ مقيتةٍ ..

كثير منّا للأسف لا يقف على أرض الواقع، ولا تحركه غيرة على الدين ولا على الوطن ولا على المجتمع، بالقدر الذي تستثيره المكاسب السياسية والماديّة، في غفلةٍ شغلته عن الأولى، وفي خِضَّم مَعارك وهْميّة لم يحن حينها بعد، كان ينبغي تأجيلها أو إعادة النظر في الثقل الذي منحته .. هل هذه هي ثورة التكبير التي خرج لأجلها الليبيون وقدّموا لأجلها التّضحيات؟! هل هذا هو التكبير الذي يضع الإنسان أمام مسؤولياته ويجعله يراقب الله فيما يقول ويفعل؟!

للأسف، ظن معظم الناس وتوَهّمَ بعض السَّاسة أن معركة التحرير قد انتهت وأن الثورة قد انتصرت بل وحقّقت أهدافها! وأنه آن أوان تقاسم الغنائم! وبدأ الحِرَاكُ على هذا النحو، وانطلقت المنافسة في هذا الاتجاه، وتُرك المجتمع في ظل هشاشة مؤسسات المجتمع المدني فريسةً سهلةً لبقايا الأعداء وخصوم الثورة، مِن الدَّاخل والخارج تَنهش جسدَه وتَغتالُ شبابَه!

يا دعاة الديمقراطية والتنمية والنهضة .. لا قيام للدِّيمقراطية ولا فلاح لخطط تنمويّة ولا نجاح لمشاريع نهضة ولا غيرها، ما لم يصلح أمر الإنسان المواطن وتحريرِه مِن الأهواء والشهوات والشبهات، وتَركيز الجهود والمشاريع والبرامج جميعها في هذا الاتجاه، فالعقل يحكم باستحالة تقدَّم المشروط على الشرط!!..