من معالم التدليس والافتراء في هجوم شلقم على معالي شيخ الإفتاء / د. فتحي خليفه عقوب

في قسم : الأخبار في كتاب وآراء | بتاريخ : السبت, 2 فبراير 2013 | عدد المشاهدات 1483

د. فتحي خليفه عقوب

(السفير السابق يجرح و لا يداوي) !!..

قالتْ العرب قديماً : “على نفسِها جَنَتْ بَرَاقِش” !.. و روَى الإمام البخاريُّ عليه رحمة الله أنّ النّبيّ صلَّى الله عليه وسلم قال : ( إِنَّ مِمَّا أَدرَكَ النَاسُ مِن كَلاَمِ النُّبُوَّةِ الأُولَى إِذا لَم تَستَحِ فاصْنَعْ مَا شِئتَ ) ..

ها هو شلقم مرّة أخرى يُبالِغُ في استخفافه بعقول الليبيين جميعاً ويستفزُّ غِيرتَهُم ويختبِرُ مَشَاعِرَهم، بعد أن سكتوا على ما عرفوا عنه وعن جريمة عمرِه وصُحبته لطاغية العصر ما يناهزُ 50 سنة لموقفٍ وقفَه ليس إلا، لكنه لم يفقه الدّرس، فإذا به يخرجُ يُحدَّثنا عن “بدعة” سيئة مُفتراة ! في مقال بعنوان : “إجرح وداوى فى دار الفتاوى”.. ويدَّعي – دون بيّنةٍ – بأنَّ دارَ الإفتاء أعلنت عَن مُناقصة بين شركات الدعاية والإعلان لإطلاق حملة هدفها تحسين صورتها لدى المواطن الليبى!

إنّ المُدْهِشَ في مقالةِ شلقم ليس حشوها بمَحضِ الافتراء، وإنما هو مقدارُ الجُرْأةِ التي يتمتع بها ليكتبَ عن “الآخرين” وأيُّ آخرين، متناسياً نفسَه؟! كيف يُجمِل في مواطن ويُفصِّل في أخرى لم يُحسن بَسطها ولا عرضها في كتابه “نهاية القذافي”! ويُغفِلُ أهمَّ القضايا التي كان طرفاً في نظام مسؤولٍ عنها! والأبلغُ إدهاشاً مُنافحتُه العجيبةُ عن نفسِه أو بعبارة أخرى جُرأتُه في تلميع نفسِهِ حين يضع نفسَه موضِعَ المقارنة أو المقاربةِ مع فضيلة الشيخ الصادق الغرياني، ذلك الشيخ المجاهد بقول الحق حين روحه على المحكِّ يوم أعلنَ موقفَه علنا ودعي الليبيين للخروج متحدياً طاغية العصر – الصديق الحميم لشلقم إلى آخر ساعاته – من طرابلس – لا نيويرك – نَاسياً أو مُتناسياً حتى وصية صديقه القديم : مَن كان بيتُه من الزجاج لا يرمي الآخرين بالحجارة! ولشديد غفلته فقد خانته العبارة حين جعلَ الشيخَ الصَّادق مُفتي الديار الليبية ممَّن يسير على طريقة آية الله الخميني، ناسياً أنّه قد وصفه بنقيض ذلك قبلها وبعدها بقوله : “أهل الشيعة الذين يحاربهم – أي سماحة المفتي – ويحكم بكفرهم”! فكيف يجتمعان يا فريد الزمان؟!

ومِن الطّوامّ الهادمة قولُه عن الشيخ : “لا تفهم لماذا لم يعرضوا ملف الشيخ على هيئة النّزاهة” !! هاهو يزيد إغراقا في الافتراء ليبلغ أقصى درجات الاستغفال للعقول والمشاعر حين يُطالب بإحالة الشيخ إلى هيئة النّزاهة، ويَنسِبُ له السكوت عن عدّة قضايا ويجعل سكوت الشيخ عنها – كما يزعم – من السكوت عن الحق وأنَّ الساكت عن الحق شيطانا أخرسا ! ويعددها قائلاً :

– لماذا لم ينطق حينما فتكوا بالشيخ البشتى وقتلوه صبرا وعذابا؟!

– وأين كان حينما قتلوا مئتين والفا من الشباب المسلم فى مجزرة أبى سليم.

– وعندما كان القدافى وإبنائه وعشيرته يسبون الرسول والسلف الصالح سرا وعلنا, وكان يسمع ويرى فلماذا لم يستنكر؟!

– ثم يتطاول على الفقه ليمتعنا بنصّ كلام الإمام مالك : ( قال ابن القاسم : سمعت مالكا يقول : لا يحل لأحد أن يقيم ببلد يسب فيها السلف). فما بالك ببلد يسب فيه الرسول ؟؟؟!!!

فهو هنا لا يساوي السكوت المزعوم من الشيخ بسكوته هو وحسب، بل إنّ الأشنع أنه يساويه بكونه ذلك الوقت جزء أساسي مِن منظومة الظلم والظلام الطاغوتية ؟!! سبحانك ربي هذا بهتان عظيم .. إنّه استغفال، لا بل احتقارٌ لعقولنا أنْ يَصِفَ الشيخَ الصادق بهذه الأوصاف متناسَياً جهودَه– التي لم يكلِّف نفسَه عناء التحقق منها والسؤال عنها – في التمكين للإسلام في ليبيا، سواءٌ في الدعوة والإرشاد والتبليغ، من خلال جهود علمية وعمليّة، وسلسلة مؤلفات تكاد تكون دخلتْ كل بيت ليبي وتصحيح كثير من أفكارهم وعاداتهم، وإنارة جوانب العقيدة الإسلامية والفقه والأخلاق والثقافة، فضلا عن دوره الكبير في تفعيل الصيرفة الإسلامية رغم صعوبة الظروف وعظم التّحديات، بل قد تناسى شلقم جهود الشيخ التوعوية وإجابته على أسئلة الناس وإقامته لفرض الكفاية ورفعِه الإثم عن علماء ليبيا ومثقفيها الذين إما خرجوا أو سكتوا، فضلاً عن أبواق المتثاقفين التي كانتْ تزمِّر لسيدها وتسبح بحمده إلى آخر لحظة قُبيل دوران عجلة الثورة الزّاحفة، مِن النفعيين والمُستفيدين الذين كوّنوا الثروات الطائلة حين شاركوا الطاغوت في جرائمِه ممَّن لا يَخفَى علينا وعليه مَن هُم وأينَ كانوا وأين صَاروا مِن جانبيّ الضِّفَّةِ ؟!..

إنَّ الفقه الأعرج الذي يُغفِلُ أهمَّ قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فضلا عن مراعاة فقه الأولويات والموازنات، التي تجعل التدرُّج، وضرورة البدء بالأوجب قبل الواجب، وما لا يدرك كلّه لا يُترك جُلُّه، وتَحمُّل أقلَّ الضررين لاجتناب أكبرهما، وأنَّ الضّررَ الأشدّ يُزالُ بالضَّرَرِ الأخفِّ، وغيرها من قواعد إنكار المنكر التي تُقرر أن إنكارَ المنكرَ المقدورَ عليه يُقدَّم على غيره مما قد يَترتب عليه منكر أشدّ أو يؤدي إلى تفويت إقامة معروف أهم وأولى لحال الناس وظروفهم، فضلا عن كون شيخنا المبارك الشيخ الصادق فوق ذلك قد صَدَعَ بالحق وخَرَجَ للنَّاس في طرابلس في عُقر دار الطاغوت وبين زبانيته، علِمَ مَن علمَ أو جَهِلَه، لكنَّ الواقع شَاهِدٌ بِهَذا، فكان الشّيخُ على رأس قائمة المطلوبين طوال شهور الثورة ومراحلها! فيا ترى أين كان شلقم عندما كلم يسكت الشيخ عن الحق حتى في ظلِّ الحِصار والمُطَارَدةِ ؟! يُفتي بالحق ويُبصر النّاس بواقعهم ويحضُّهُم على وحدة الكلمة والالتفاف حول المجلس الوطني و…الخ.

أما بيت القصيد هنا، فشلقم ومن يشاطره الرأي في إنكارهم لتدخل الشيخ في مجالات السياسة والاقتصاد وغيرها، يَقَعُونَ في مَطبِّ جَهْلٍ آخر؛ حيثُ إنَّ الفتوى الشرعية إنما تتعلّق بالحكم الشرعي حيث كانَ، لأنّ الحكم الشرعي – كما يُعرِّفُه الأصوليون – هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين إما بالفعل أو بالترك أو بالتخيير بينهما، وبالتالي فإنَّه لا تعلُّق له بمجال معيّن جون غيره، وإنما مجال الفتوى الذي تجب فيه إنما هو كل جانب أو مجال أو مسألة صغيرة كانت أم كبيرةً تضمنت حكما لدين الله فيها من حيث تعلقها بفعل المكلّفين، إما أن يفعلوا أو يتركوا أو ما لديهم فيه سعة بين الفعل والترك “المباح”، وذلك إما بطرق الاستدلال المباشر ومن خلال النصوص الجزئية المباشرة الدلالة على المسألة، أو بالاستدلال غير المباشر من خلال التخريج على وفق مقتضى النصوص وقواعد الشريعة ومقاصدها العامة.

إذن فمن الجهل بمكان أن تُحصَرَ الفتوى بمجال معيّن، وهو جزء من ثقافة زالتْ بزوال مبررها وهو الجهل وزال زمانها وفات. نعم إنَّ على أهل الفتوى الرجوع إلى أهل الذكر في كلِّ مَجَالٍ مِن الطبِّ والهندسة والسياسة والاقتصاد وغيرها، للأخذ باعتبارات الواقع وتفاصيله المؤثرة عند القيام بعملية استثمار النصوص في صناعة الفتوى والموازنة بين الاحتمالات ومعايرتها بالمعايير الشرعية، وهو ما يُعرف بفقه الواقعة أو النازلة، ثم تنزيل الفتوى بعد ذلك في المحل المبحوث في حكمه وهو ما يعرف بـ”فقه التنزيل” .. ثم كيف يستنكر على الشيخ تدخله في مجال السياسة مع أنه لم يفتي في السياسة ولكنْ في حكمٍ شرعيٍّ تَعلَّق بشأنٍ من شؤونها، وفي الوقت نفسه نجده يقتحم الدبلوماسيّة والسياسة ويجلس على عرشها وهو يمتهن الصحافة وعُرِفَ بها ؟ قأين احترام التخصص أم حلال على بلابله الدوح دون بلابل الغير؟! وإنَّ من نتائج هذه الجهالة الطافحة هنا ومحاولة احتكار السياسة عملا ونظراً، منع الأطباء والمهندسين والمحاسبين وأهل العلوم الأخرى مِن الحديث في السياسة فضلا عن ممارستها!.. إنَّ الحكم الشرعي وإبرازه للأمة هو واجب عينيٌّ على المُفتين، سواء تعلّق ذلك الحكم بالسياسة أم بالاقتصاد أم بغيرهما، طالما تَعلَّق الأمر فيها بعمل المكلّفين إذ هو موضوعُ الحكم الشرعي ومُتعلَّقُه، وبالتالي وَجَبَ على المفتي بَيانُه و لم يجز له السكوت عنه مُطلقا!..

ومرة أخرى نَجِدُ هنا غَريبة أخرى من غرائب شلقم التي لا تنتهي، حيث حمّلَ شيخَنَا الصَّادق مفتي الديار الليبية مسؤولية سكوتَه عن عملية اغتيال الشيخ البشتي عليه رحمة الله تعالى – طبعا ولم يحمِّل نفسَه أيّة مسؤولية وهو جزء من المنظومة ومن رؤوسها – وغيرها من القضايا التي كان هو وسيده يصنفونها بالسياسيّة المحضة، فكيف يطالبُ الشيخَ بالإنكار في أمر أو شأنٍ هو مَن سَحَبَ اختصاصَ الفتوى منه؟! بل ويطالب الشيخ بالتدخل فيه يوم أن كان مَغْرَما، وينكر عليه ذلك يوم أن جعلَه البَعْضُ مَغْنَماً؟!!.. هذا تناقضٌ واضطرابٌ يدلان على سوء القصد والنيّة، وانحراف الفكر والطَّويّة، فضلا عن سوء التعبير ومنافاة الوطنية ..

رحم الله الحافظ ابن حجر حين قال في شرحه لحديث سالم بن عبد الله في البخاري في كتاب الحج عند باب الدُّعَاءِ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ، حيث قال : وإذا تكلم المرء في غير فنه اتى بهذه العجائب.

وللقرّاء الكرام أقول، قبل أن تَستعجِل في الحكم على مقالتي هذه، قِفْ على ما سطّره شلقم في “نهاية القذافي” لتدرك بوضوح أنَّ الحرب المُعلَنَةَ على فضيلة السيد المفتي إنما هي جزءٌ مِن حربٍ ممنهجة منظَّمة ضدَّ كا ما ينطق بالإسلام أو يدعو للعودة إليه أو التّمسّك بهِ، وشخصيّاً رَغْمَ إيماني العميق ويقيني التام بضرورة الحرص على تحقيق الوِفَاق الوطني ولا أرى مَنْدُوحَةً لأحد عن ذلك، وأجزم بأن الائتلاف فوق كونه واجباً شرعيّاً، هو ضرورةُ الواقع وحتميّةٌ لتأسيس “مشروع الوطن” الذي نأمل جميعا بلوغَه عاجلا غير آجل؛ إلا أنّ أبواق الشر والفتنة، وصيحات الشَّرْذَمَةِ والتَّفريق التي لا تَفتأُ تَفُتُّ في عَضُدِ الأمّة تأبَى علينا إلا أن نَسلُكَ مَسْلَكاً مِنَ الحَزْمِ الأدبيِّ، والوضوحِ في البيانِ، مع أخذٍ بالعزيمة لا مناصَ عنه، إحقاقاً للحق، ومَنعاً لسُبُلِ الفُرْقَةِ، وقَطْعَاً لِمَادَّتِهَا ..

نسأل الله تعالى ربَّ العرش الكريم، أن يأخذ بيد كل رائدٍ للخير، وأن يهدي المختلفين لما اختلفوا فيه من الحق ويؤلّف بين القلوب ويهدي العقول، وأن يجعل شرَّ مَن أبي واستكبر مِن أهل الشّرِّ والفِتنة وبالاً عليه، وأن يجعل من كلامه إفحاماً له، وأن يجعل تدميره في تدبيره ..

وحسبنا الله ونعم الوكيل ،،،

كتبه فتحي خليفه عقوب

طرابلس في 02 فبراير 2013

—————————————————

– رابط مقال شلقم : http://www.altawafug-alwatani.org/Hypocracy.htm

– شلقم يكتب عن “أشخاص حول القذافي” وينسى نفسه كتاجر الحمير الذي عدَّها راكبا تسعة وراجلاً عشرة فآثر المشي على الركوب ظنا منه أنّ يوفّر تكلفة تعادل قيمة أحد الحمير : http://www.majalla.com/arb/2012/01/article55231102

إجرح وداوى فى دار الفتاوى