بيان بشأن الحكم الشرعي للعمل في المصارف الليبية في ظل المتغيرات ومعطيات الواقع – فتحي خليفة عقوب

في قسم : الأخبار في الركن الشرعي في قضايا شرعية | بتاريخ : السبت, 19 يناير 2013 | عدد المشاهدات 1705

د. فتحي خليفه عقوب

بالإشارة إلى ما جاء في الفتوى رقم (802) الصادرة عن دار الإفتاء الليبية بتاريخ 14 يناير 2013م لشيخنا الجليل فضيلة الشيخ الدكتور الصادق الغرياني مفتي الديار الليبية وشيخ الثورة المباركة، والتي جاءت مُعبِّرةً عن حالة الأصل والقاعدة الشرعية في شأن تحريم الربا وتضييق الخناق عليه ، مُؤسَّسةً على النَّصوص الصريحة، والمتضافرة في الدلالة على شديد الوعيد والتقبيح للتعامل بالربا بشكل عام، أخذا وإعطاء وتعاوناً فجزاه الله خيرا وبارك أعماله وتقبَّل منه.

وتتمّة للفائدة ، أحببت من خلال اتصالي المباشر بالقطاع المصرفي ، ودرايتي بالتطورات

والمستجدات المتعلقة به ، أنْ أضيف جديداً في هذا المجال ، مُستئنِساً بآراء فقهائنا الأفاضل ، مُستنيراً بمعطيات ذلك الواقع ، مُسترشداً بالقواعد العامة في تنزيل الحكم الشرعي على الواقع ، ومدى تأثير مضامين ذلك الواقع على الحُكم المنزّل ، مُقدّماً لهذا بمُوج ز لأهم آراء الفقهاء المعاصرين ، مُحاولاً بعد ذلك تنزيل تلك الآراء على واقعنا الليبي ، بعد مَا منَّ الله به على بلادنا و وف ق إليه المؤتمر الوطني العام من إصدار قانون إلغاء التعامل بالفوائد المصرفية الربوية ، مما أعتقد بأنه تطوّر جدير كلّ الجدارة لأخذه في الاعتبار ، بل جَعْلِه مُؤثِّراً مُبَاشِراً على بُنية الحكم الشرعي في الواقع الليبي لما يتمتع به من خصوصية .

 

أولاً : موجز للآراء الفقهية في المسألة

 

1) تحريم العمل في البنوك الربوية مطلقاً سواء كان الموظف يُباشر أعمالَ التمويل الربوي أم لا، وهي فتوى اللجنة الدائمة بالمملكة السعودية ) الفتوى رقم 9452 قسم العقيدة(، وبه أخذ كثير مِن الفقهاء المعاصرين ، وذلك تأسيساً على الأصل العام من تحريم مباشرة كل عمل ربوي أو التعاون عليه ، مُستندين إلى نصوص صريحة ظاهرة في تحريم الربا ، إضافة لآية

” وَ لا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَ الْعُدْوَانِ “ ونحو حديث جابر رضي الله عنه عند مسلم والذي ورد في نصِّ عليه فتوى شيخنا الجليل مفتي الديار الليبية .

2) كراهة العمل في البنوك الربوية ؛ على اعتباره من المشتبهات ، وإنْ كان الأولى الابتعاد عنه إنْ وجد بديلا أفضل . وهو منسوب لشيخ الأزهر الأسبق جاد الحق على جاد الحق يرحمه الله .

3) يجوز العمل في المصارف الربوية عند قيام الضرورة ، على أن تُقدّر تلك الضرورة بقدر الفترة الزمانية الكافية للبحث عن عمل حلال وتحصيله، وهو ما أخذت به وزارة الأوقاف الكويتية ، ولجنة الفتوى بالمملكة الأردنية بناءً على أنها ضرورة عَيش ، وبخاصة في بعض البلاد التي يصعب فيها العثور على فرص عمل ملائمة للظروف ، وقد قال تعالى : ) فمَن اضطُرَّ غيرَ بَاغ ولا عَادٍ فلا إثم عليه إنَّ الله غفور رحيم ( . ويتجه البعض إلى التفصيل ؛ فيجعل الجوازَ خَاصّاً بمَن لم يباشر أعمال الربا، والكراهة أو الحرمة فيما عداه .

4) جواز العمل في البنوك الربوية دون قيد الضرورة؛ لأنَّ الربا لم يَعُد يتعلَّق بموظف في بنك معيّن أو بعمل معيّن كاتب في شركة ، وإنما يدخل في تركيبة النظام البنكي برمته ، إنه يدخل في تركيب نظامنا الاقتصادي وجهازنا المالي كله ، وأصبح البلاء به عاما كما تنبأ رسول الله r: ) ليأتين على الناس زمان لا يبقى منهم أحد إلا أكل الربا فمن لم يأكله أصابه مِن غِباره ( رواه أبو داود وابن ماجة.  وهو قول لبعض الفقهاء نقله الشيخ محمد أمين في موقع هدي الإسلام، لكنه قول غير مشهور ولا يظهر اعتباره لدى جمهور الفقهاء.

5) يجوز عند الضرورة لمَن كان في حاجةٍ إلى العيش، لأنّها حاجةٌ تُنزّل عند الفقهاء منزلة الضّرورة، فيجوزُ العمل في البنوك الربوية في حالاتٍ مُعينة استثناءً لا أصلاً ، وهو رأي الشيخ د.يوسف القرضاوي كما جاء في الجزء الأول من كتابه فتاوى معاصرة، ووافقه عليه الشيخ د.علي محي الدين القرة داغي . واستند هؤلاء الفقهاء إلى أصول الشريعة وقواعدها العامة في مسألة الضّرورة والحاجة، حيث إنّ الضرورة وما في منزلتها تبيحُ المحظورات إذا تَعيّنت تلك المحظورات طريقا للخروج عن الضرورة أو الحاجة بمنزلتها ، مُستدلين ببعض النصوص العامة، ومن ذلك قوله تعالى “فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْه .. “.

وقد ذهب إلى هذا الشيخ عطية صقر في مقال له في مجلة الاقتصاد الإسلامي ، وأجاز عند الضرورة العمل فى تلك البنوك إذا كان العمل بعيداً عن المعاملات المحرَّمة شرعاً لحينِ العثور على بديل . وبهذا القيد ، قال الشيخ عبد الله بن حميد رئيس مجلس القضاء الأعلى سابقاً بالمملكة السعودية ، وبه قال الشيخ العلامة مصطفى الزرقا ، وبمقتضاه صدرت فتوى وزارة الأوقاف الكويتية ، وقال به غيرهم من المعاصرين.

 

ثانياً : مُعطيات ليبيّة هامّة تُؤثر في بناء الحكم الشرعي

 

بفضل الله تعالى، الذي منّ على الليبيين جميعاً أولاً بانتصار الثورة المباركة ، ثم بامتلاك الليبيين لزمام أمرهم ، ثمّ توّج نعمته تلك بتوفيقه للمؤتمر الوطني العام لإصدار القانون  (1) لسنة 2013 بشأن إلغاء الفوائد المصرفية الربوية ، مما أحدث نقلةً كبيرة في الواقع الليبي، تُعتبر تَغيّراً حقيقيَّاً، ومن ذلك :

1- انطلاق أعمال مشروع الصيرفة الإسلامية ، التي جرى العمل التمهيدي لها قبل سنة مضت.

2- اتجاه كافة المصارف الليبية وجوباً وبمقتضى القانون (1) لسنة 2013 نحو التحوّل إلى ممارسة نشاط الصيرفة الإسلامية ، وهو تغيّر كبير ومعطىً استراتيجيا يؤثر وبشكل مباشر، ويقلب الأوضاع التي بني عليها الحكم في الأصل.

3- بناء عليه، يصير دعم عملية التّحوّل فعلياً منْ أوجب الواجبات ، والذي يتأ كد بحق موظَّفي القطاع المصرفي بشكل عام ، بأن يستمروا في أداء أعمالهم ، ولكن مع وجوب تطوير القدرات وتعلم القدر الواجب مِنْ أُسس الصيرفة الإسلامية وقواعدها في مختلف المجالات المصرفية بحيث يساهموا في عملية بناء صيرفة إسلامية حقيقيّة على المدى الممكن ، ويصير واجباً عليهم تطوير القطاع المصرفي الليبي بعامة لتحويله إلى قطاع مصرفي إسلامي فاعل وذو كفاءة اقتصادية ليكون قادراً على النهوض بأعباء عمليتي البناء والتنمية المستهدفة .

4- كما أنّ انطلاق عملية التدريب الفعلي لكوادر المصارف الليبية لتكون قادرة على تفعيل الصيرفة الإسلامية وخدماتها بشكل صحيح وسليم .

5- وفي ظل المبادرات الجادة كالتي قدّمتها إدارة مصرف الادخار والاستثمار العقاري إلى رئاسة الوزراء بعد أخذ موافقة سماحة مفتي الديار الليبية عليها ، بشأن تطوير نشاط المصرف بما يتفق وأحكام الشريعة الإسلامية وتحسين آلية منح القروض العقارية للمواطنين ورفع سقفها بما يتلاءم وتطلعات المواطنين الليبيين وظروفهم المعيشية ، مما يجعله مِن أولى المصارف بالدعم والتشجيع ، نظرا لهذا التوجّه الشرعي والوطني .

6- كذلك في ظل بدء تخريج الدُّفعات الأولى من المتدربين في مجال التدقيق الشرعي والرقابة الشرعية وغيرها من التّخصّصات اللازمة لانطلاق مشروع الصيرفة الإسلامية بالمصارف الليبية فعلياً.

 

في ظل هذه المعطيات وغيرها ، أرى بأنَّ الواجب على موظَّف في القطاع المصرفي المحافظة على وظائفهم والتزام أعمالهم ، طالما توفَّر لديهم الحرص على دعم مشروع الصيرفة الإسلامية ، وكانوا صادقين كل الصّدق في إتقان أعمالهم لهذا الغرض وتلك النيّة ، بل وعليهم واجب المسارعة إلى الانخراط في الدورات التدريبية المتَّخصِّصة في مجال الصيرفة الإسلامية، وذلك لأخذ زمام المبادرة في قيادة المصارف الليبية نحو عملية تحوّل رشيد وصحيح ينشده كلمواطن ليبيٍّ غيور على دينه وعلى وطنه وأهله ، وبخاصة بعدأن أتمّ مصرف ليبيا المركزي بتوفيق الله تعالى وفضله وضع خارطة ذلك التّحوّل وتحديد متطلباته وإجراءته العمليّة، والذي يعتبر بمثابة إعلان تحوّل حقيقيٍّ لا نظريٍّ أوصُوري كما يعتقد البعض أو يحاول تصويره كذلك .

 

              بالتالي ، وخروجاً عن طائلة الإثم والمسؤولية الشرعيّة بين يدي الله تعالى، فإنَّ على القيادات المصرفية اليوم باعتبارهم رُعاة هذا القطاع ، واجبٌ شرعيٌّ ومسؤوليةٌ تَاريخيّة ، عليهم أخذها بكلّ جِديّة وأمانة ، مِن خلال الإسراع في حَفْزِ مُوظَفيهم ، وإعداد البرامج التدريبيّة الكفيلة بتمكينهم مِن إنجاز مهمتهم في الانتقال السَّلِس والسَّليم إلى الصيرفة الإسلامية وإيجاد البدائل الشرعية ، التي نَجزمُ جميعاً بأنها ستكون خيراُ ويُمنا وبَرَكةً لنا ولأهلنا ولبلادنا ، وقبل كلِّ ذلك لديننا وآخرتنا، طالما صَدقنا النَّوايا، وشحذنا العزائم، وشَمَّرنا عن ساعد الجدِّ والعمل، وخرجنا عن مُجرّد الكلام النّظري والنّقد المجرَّد والتشاؤم ، ابتغاءً لِوَجه اللهِ تعالى وطلباً لمرضاته عزّ وجلَّ .

وفقنا الله وإيَّاكم لما يُحبُّ ويَرضَى، وجَعلَ أعمالَنا خَالِصةً لِوجهِهِ الكَريم مُوافِقَةً لِشَرْعِهِ الحَكيم

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

كتبه الفقير إلى رحمة ربه

    فتحي بن خليفه عقوب

طرابلس في

4 ربيع الأول 1434هـ الموافق 16 يناير 2013