رسالة الى اهلنا الأمازيغ في ليبيا بقلم الشيخ سالم الشيخي

في قسم : أقلام وآراء في الأخبار | بتاريخ : الإثنين, 14 يناير 2013 | عدد المشاهدات 978

الشيخ سالم الشيخي

رسالة إلى أهلنا الأمازيغ في ليبيا

لعله من طبيعة التعاطي السياسي والفكري الذي يخوضه الإنسان الراغب في المساهمة في الإصلاح المجتمعي، والسياسي في وطنه أن يواجه أصنافاً من الناس فمنهم المنصف العادل في حكمه ومواقفه ، ومنهم الظالم المفتري الذي عادته الكذب والتزوير والافتراء على كل من خالفه في الرأي أو المواقف الفكرية أو السياسية . وهذا ما حدث بالفعل مع كلام نُشر على مواقع الأنترنت لا يمت للحقيقة بصلة ينسبه أصحابه إليّ ويقولون إنني قلت كلاما عن اللغة الأمازيغية وحددت موقفا كله تعصب للعروبة وأهلها .

ومع طلب عدد من المحبين الناصحين أن أُبين موقفي من المطالب الأمازيغية في ليبيا ،وكذلك بيان حقيقة ما نُسب إليّ فإنني أبدأ أولاً ببيان حقيقة التصريحات إلتي نُسبت إليّ زوراً فأقول وبالله التوفيق : إنه بعد سؤال بعض الأحبة عن حقيقتها بدأت بالرجوع إلى تسجيل الحلقة في الموقع الخاص بها ،وجلست أستمع بكل حرص وأقول لنفسي لعلي قلت كلاما مما نُسب إليّ لا يتناسب مع  قناعاتي وأخلاقي وقيمي التي أومن بها، ومع يقيني بالنفي إلاّ أنني قلت أتثبت من الأمر وفعلا أصابتني الدهشة وتبين لي أنني لم أتحدث عن اللغة الأمازغية في الدستور ولا غير الدستور ، وأنني لم أتطرق إليها أصلا ، وإنما كان الكلام عن الهوية الإسلامية بشكل عام ومما قلته :” الهوية الإسلامية تبنى على أربع مستويات أساسية :

–                   مستوى العقيدة .

–                   مستوى اللغة .

–                   مستوى الثقافة والتاريخ

–                   مستوى التاريخ  ” .

والعجيب أنني لم أتحدث حتى عن اللغة العربية بالتفصيل ، والذي ذكرته أن فرنسا تعتز بلغتها الفرنسية في المحافل الرسمية وهو مثل ضربته للأمم التي تعتز بهويتها ،ولعله فهم من أراد التزوير والتحريف لكلامي أنني أرمي بذلك إلى مسألة دسترة اللغة الأمازغية وهو ما لم يخطر على بالي أصلاً ، وليته أكتفى بفهمه وظنه لكنه نقل كلاما وقال إنني قلته بالحرف الواحد وهو ما يتبين كذبه لكل من يستمع إلى الحلقة الموجودة في اليوتيوب بالكامل .ولكي أبين أن الكلام الذي ذكره غير صحيح  أنقل ما قاله في موقع وسان  “يقول : في الوقت الذي كنا ننتظر فيه اعتذار من الشيخ سالم الشيخي لشباب الامازيغ او على الاقل توضيح منه لما ورد في لقائه مع قناة الجزيرة والذي اكد فيه وبالحرف الواحد ان  ليبيا يجب ان تحافظ على هويتها .. وليبيا هويتها الإسلام والعربية هي لغة الإسلام وبما ان العربية هي لغة الاسلام .. اذا يجب ان لا يحوي الدستور الليبي اي إشارة الى أي لغة الا اللغة العربية  ….. ) .

ولايمكن لأحد أن يصف هذا النقل الذي أكد صاحبه أنني قلته بالحرف الواحد إلاّ بالكذب والتدليس والتزوير ،وأنا أعهد لكل صادق من الإخوة الأمازيغ أن يرجع إلى تسجيل الحلقة بالكامل فإذا وجد ذلك فليضعه بالصورة والصوت أمام الناس وعندها أعتذر على روؤس الأشهاد ،وإذا تبين له كذب الناقل فليرد على صاحب المقال بما يقتضيه العدل والإنصاف ونصرة المظلوم .

 هذا ما يتعلق بالتصريح المنسوب إليّ والذي تعاملت معه أكثر المواقع المعنية بالشأن الأمازيغي بطريقة لا تمت لأخلاق الإخوة الذين عرفناهم من الأمازيغ بصلة ، وأنا أعلم أن أفاضل الأمازيغ بُرَآء من هذه الأخلاقيات الفجة التي ظهر قبحها على كثير من التعليقات والصور ، وكنت أتمنى من أهل الخلق الرفيع أن يردوا على هؤلاء ويذكروهم بما تمليه الأخلاق الإسلامية التي تنطلق من قوله تعالى:{ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا } .

هذا ما يتعلق بطلب الأفاضل الأول بخصوص التصريحات المنسوبة إليّ ، أما الطلب الثاني وهو المتعلق بموقفي من المطالب الأمازيغية في ليبيا فإنه يصعب طرحها بالتفصيل في مثل هذا المقال الذي غدا بطوله بُحيثا صغيراً ، وأنا على استعداد لطرحها بالتفصيل في لقاء جامع مع أهلنا الأمازيع في أي زمان ومكان أرادوه – إن شاء الله – وخلاصة الموقف تنتظمه عشر مسائل أساسية ومقدمتان :

المقدمة الأولى:أنني لم أكتب هذه الرسالة إلاّ بياناً للحق الذي أومن به ،ورفعا للبس الذي تسبب فيه النقل الكاذب والتزوير المتعمد ، وأعاهد الله أنني لن أجامل أحدا على حساب قناعتي أو أفكاري ،وما أوصلني إليه اجتهادي فيما يتعلق بمطالب الإخوة الأمازيغ في ليبيا سوف أقوله دون تردد ولا تلعثم ولن أجامل أحدا في مثل هذه المواقف ، ولا يعنيني أن يرضى الإخوة العرب ، أو الإخوة الأمازيغ المهم هو أن أقول ما يرضي ربي وخالقي،{ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}.

المقدمة الثانية : أنّ علاقتي مع القضية الأمازيغية في ليبيا بدأت في عام 1986 م عندما كنت سجينا سياسياً في قسم المؤبد في سجن أبي سليم ،وكان أول لقاء ليّ مع مجموعة من قيادات الأمازيغ في ليبيا الذين سجنوا بتهمة المؤتمر الأمازيغي ، وكنت في صحبة فيلسوف الأمازيغ والعرب معاً فضيلة الوالد الحاج عيسى بودية ، وقد تعرفت من خلاله على روح المطالب الأمازيغية في ليبيا ، وكنت أصغر سجين في قسم المؤبد وكان الحاج عيسى بمثابة الوالد في السجن وكنت أجد فيه تعصبا أحيانا لقضيته ، ولكنّ ذلك لم يمنع من احترامي وتقديري له ، ولعدد ممن كان معه وأُشهد الله أنني لم أرَ أشجع ، ولا أنبل ، ولا أكرم منهم ، وقد كانت آخر مواقف الشجاعة لهذه الثلة من الرجال عندما صدر قرار بالعفو عن عدد من سجناء أبي سليم فيما عُرف بأصبح الصبح في عام 1988م وخرج من خرج في البداية ، وكان هناك قرار آخر بمنع خروج عدد من السجناء وكنت أنا منهم ، وبعد شدة المطالبة من أهلنا خارج السجن جاء بنا زبانية القذافي – عبدالسلام الزادمة وأصحابه – بعد أسبوعين من أصبح الصبح من سجن الجديدة إلى أبي سليم وأبلغونا أننا سنقابل بعض رموز النظام وأنه يتطلب منا أن نكتب اعتذارا  للقذافي حتى نخرج فتعاهدت مع  عدد من الإخوة على عدم كتابة أي اعتذار ،وكان من بين هؤلاء رجال كبار في السن من أهلنا الأمازيغ رفضوا ذلك رغم كبر السن ، وشدة المحنة وبفضل الله ورحمته لم نكتب أي اعتذار وخرج الجميع وكان هذا الموقف مثالا على شجاعة هؤلاء الأبطال رغم طول السجن وتقدم السن ،أعود فأقول إني على معرفة دقيقة بمطالب إخواننا من الأمازيغ الذين ظلموا في عهد القذافي ظلما شديدا ، وقتِّلوا وشرِّدوا ، وكان منهم شهداء كثر وسجناء ، وأنهم في هذه الثورة شركاء بكل ما تعنيه الكلمة ويعلم الله أني لا أقول ذلك مجاملة لأحد ولاطلب ود أحد وإنما هو ما أومن به صادقا لله تعالى .

هاتان مقدماتان أما المسائل العشر الناظمة لرؤيتي لمطالب أهلنا الأمازيغ فهي :

أولاً : الحوار الوطني نقطة انطلاقنا .

إن نقطة البداية الصحيحة في التفاعل مع المطالب الأمازيغية تبدأ من اعتماد حوار وطني شامل صريح وصحيح تشرف عليه الدولة الليبية بمشاركة مؤسسات المجتمع المدني وسائر الأطياف السياسية ،والاجتماعية ، والدينية ، يتناول مجمل القضايا المتعلقة بالمطالب الأمازيغية في ليبيا ،وبهذا الحوار تكون البداية الصحيحة في تناول الهموم الوطنية المشتركة بعيداً عن أي مزايدة أو عصبية بغيضة .

ويجب أن يشعر الجميع أن هموم إخوتنا الأمازيغ هموم وطنية لا تختص بهم بل هي هَم لكل مواطن ليبي شريف ولكل فئة من مكونات المجتمع الليبي الأصيل .

ثانياً : الإطار الجامع للمطالب الأمازيغية .

لم يتضح بعد لكثير من المتابعين للمطالب الأمازيغية الإطار الذي تنظر من خلاله النخب الأمازيغية في ليبيا إلى هذه المطالب ،وهل هو الإطار الثقافي التراثي ، أم هو الإطار السياسي ،أم هوخليط بين الثقافي والسياسي ،وتحديد هذا الإطار في غاية الأهمية بل هو المسار أو الطريق الذي تسير عليه هذه القضية ،وتُعرف من خلاله النهايات والأهداف والمقاصد البعيدة لهذه المطالب ،وهاهنا أقولها وبكل صراحة ووضوح : إن الخروج بالمطالب الأمازيغية من الإطار الثقافي الذي تحكمه أسس الحقوق المتساوية بين أبناء المجتمع الليبي إلى الإطار السياسي سيجعلنا ننظر بريبة إلى أي حراك تجاه هذه القضية وذلك لأنّ القاعدة الاجتماعية والسياسية المطردة في تاريخ المجتمعات  تدل على أنّ المطالب التي تتعلق بالأعراق ، والأجناس ،والاثنيات المتعددة إذا كان إطارها سياسيا فعادة ما تُغذى من أطراف داخلية وخارجية تنتهي بها إلى مطالب انفصالية تهدد الوحدة الوطنية ،والتماسك الاجتماعي في البلد الواحد وهذا ما لايقبله أحد من الليبين أيا كان إنتمائه العرقي أو السياسي .

ثالثاً : الاعتناء بالشأن الأمازيغي مطلبنا .

لاشك أن الاعتناء بالمطالب الأمازيغية في ليبيا بالنسبة لنا _ نحن الليبين من غير الأمازيغ _ لم يكن بالمستوى المطلوب لا على مستوى النخبة ،ولاعلى مستوى الجماعات والتجمعات السياسية والدينية والمدنية ، بل أكاد أجزم أنه لاتوجد رؤية واضحة للمسألة الأمازيغية عند الكثير من هؤلاء -وحتى عند عدد من الأمازيغ أنفسهم – ولهذا القصور والنقص في الاهتمام أسبابه الموضوعية وهي كثيرة ولا يمكن الوقوف عليها في هذا المقال ،والمهم عندي اليوم هو أن نؤكد لأنفسنا ولغيرنا ضرورة الاعتناء بطرح رؤية متكاملة للمطالب الأمازيغية في ليبيا ،ومما يدفعني لهذه الدعوة أن المسألة الأمازيغية في أصلها تتعلق بالشأن والسياق الثقافي الحقوقي – ما لم تُسيّس –  للمجتمع الليبي .والشأن الثقافي لأي مجتمع ينبغي أن يبنى على التوافق والتفاهم بين مكوناته حتى يكون مصدراً قوياً داعما للوحدة والتماسك الوطني ،أي أننا نحتاج إلى ثقافة تؤمن بأن المجتمعات تؤسس على مقولة أن وحدتها تتشكل من خلال احترام تعددها .

رابعاً : الخطاب الأمازيغي في ليبيا.

الذي أدعو إليه في الوقت الراهن هو أن تعيد النخبة الأمازيغية النظر في خطابها الحالي الذي يبدو للعيان أنه خطاب متأثر مصبوغ بالمحنة التي عاشها أهلنا الأمازيغ مع نظام القذافي ، وهي بدون شك محنة كبيرة وشديدة بما صاحبها من ظلم ومحاولات لطمس كل الخصوصيات الثقافية والتراثية والحقوقية لأهلنا الأمازيغ  ،ومع هذا فإن هذا الخطاب قد شابه الكثير من العصبية وردود الأفعال المتوترة وغير الموزونة ، ولذا فدعوتي المخلصة لهذه النخبة أن تعيد النظر في خطابها حتى يتبين لكل الليبين أنه خطاب متوافق مع تغليب المصلحة الوطنية العامة والحرص على تماسك المجتمع الليبي ، وليس خطابا يُغلب المصلحة الخاصة لمكون من مكونات المجتمع ،وعرق من أعراقه

 

خامساً : الأمازيغية بين الإسلام والعلمانية.

من خلال المتابعة للشأن الثقافي والفكري للنخب الأمازيغية ،ومن خلال الحوارات المتعددة والممتدة من سجن أبي سليم عام 1986م إلى يومنا هذا تبين لي بوضوح أن خارطة العاملين في الحقل الأمازيغي لاتخرج عن توجهين اثنين من حيث المرجعية الحاكمة في النظر للمطالب الأمازيغية في ليبيا وهي :

–       التوجه الأول : هو توجه وخيار ينطلق في مطالبه من داخل الإطار العقدي والحضاري للإسلام ،أي يجعل المرجعية الإسلامية هي قاعدة الانطلاقة في مطالبه الأمازيغية ، وذلك لإيمانه بإنتمائه للهوية الإسلامية التي تُبنى عليها سائر الانتماءات وليس العكس .

 وهذا التوجه يمثله علماء الشريعة والمفكرون من الإسلاميين في النخب الأمازيغية ، وأبناء التيارات الإسلامية المختلفة ، ويميز هذا الاتجاه حرصه على المحافظة على العمق الاستراتيجي للأمازيغ داخل الأمة الاسلامية وقضاياها .

–       التوجه الثاني : هو توجه وخيار ينطلق في مطالبه من خارج الإطار الحضاري للإسلام وهؤلاء يجعلون المرجعية العلمانية بكل مدارسها وأفكارها ومذاهبها الفلسفية هي المرجعية المعتمدة للمطالبة بحقوقهم مع حرصهم الواضح على الانقطاع عن العمق الإستراتيجي للأمة المسلمة وتوجيه البوصلة إلى أبعاد جغرافية أفريقية ضيقة ، أو أبعاد غربية فكرية واسعة .

والذي يبدو لي أن التوجه الثاني وهو التوجه العلماني أكثر تفاعلاً في الحقل الثقافي الأمازيغي ، أما التوجه الإسلامي فلا تكاد ترى له نِتاجا فكريا أو ثقافيا إلاّ قليلا .

سادساً :الخطاب العلماني للنخب الأمازيغية وآثاره .

ترتب على ارتفاع أصوات النخب العلمانية الأمازغية وحرصها على الانقطاع عن العمق الإسلامي ثلاث مسائل خطيرة :

–       المسألة الأولى : ترسخ قناعة عند عدد كبير من العلماء ، وأبناء الصحوة الإسلامية وقادتها تربط بين المطالب الأمازيغية والانعكاسات العلمانية فيها ، وعليه فهي تعتبر أن مجرد الحديث عن هذه المطالب هو استجابة للضغوطات العلمانية المتعصبة على أساس العرق الأمازيغي الذي يحمل في طياته معاني العصبية الجاهلية التي نهانا الإسلام عنها .

المسألة الثانية :وصول رسالة سلبية من خلال أطروحات التوجه العلماني الأمازيغي ترسخ لمبدأ الصراع بين الأمازيغية والإسلام ،وليس بين الأمازيغية والعصبية القومية للعرب ، فالطرح المتعصب العلماني الأمازيغي الذي يطرح مبدأ الفصل بين الأمازيغية والإسلام ،وأن المسلمين ما هم إلاّ غُزاة لأرض الأمازيغ نقل المواجهة من ساحة التعصب القومي العربي ضد الأمازيغ _ وهو أمر يرفضه الإسلام _ إلى ساحة المواجهة مع الإسلام وعندها وبشكل طبيعي سوف يشعر كل مسلم ليبي بأن هناك معركة مع دينه يقودها العلمانيون الأمازيغ مما يدعوه إلى رفض المطالب الأمازيغية جملة واحدة دون التفريق بين ما هو صحيح يجب مناصرته والدفاع عنه ، وبين ما هو خطأ ينبغي رفضه ورده ،وعليه فإنه ينبغي للنخب الأمازيغية بشكل عام أن تحدد موقفها من الانتماء الإسلامي للأمازيغ ,وأنه ليس محلا للمساومة ، ولا مجالاً لأي صراع .

–       المسألة الثالثة :ارتباط الطرح العلماني بالمنظومة الفكرية الغربية أدى إلى سهولة الربط عند كل أحد بين هذا التوجه والتدخل الخارجي في الشأن الوطني ، وهوأمر ليس صحيحا على إطلاقه وإن وجد منه شيء عند بعض أقطاب التوجه العلماني الأمازيغي – المرتبط بفرنسا قلبا وقالباً على وجه الخصوص – فلا يمكن تعميمه على كل المطالبين بالحقوق الأمازيغية .

والمقصود أن هذا الربط موجود في أذهان الكثيرين ممن يتوجسون خِيفة من التدخل الخارجي في المطالب الأمازيغية وأتصور أنه ينبغي للنخب الأمازيغية أن تفك هذا الارتباط بشكل واضح وصريح وعاجل.

سابعاً : الأمازيغية والانتماء الإسلامي .

ذكرت عند الحديث عن التوجهات العاملة في القضية الأمازيغية أن هناك إشكالاً حقيقا صنعه الطرح العلماني الأمازيغي يُظهر معاني التعصب بالأمازيغية في مقابل كل شيئ حتى لو كان ذلك  يتعلق بالاسلام نفسه ، ولذا فإني أقول لأخواني الأمازيغ وبشكل واضح :

 إن الأمازيغية في ليبيا سوف تكون بإذن الله عامل نهوض ، وارتقاء ، وأمان ، ووحدة ، واستقرار  للمجتمع الليبي بقدر حرصها على التزامها وتمسكها واعتزازها بالعقيدة والقيم الإسلامية وانتمائها الإسلامي العريق ، وكذلك بقدر ما تملك من أدوات الحوار البنّاء والقدرة على التواصل الايجابي مع جميع شرائح المجتمع الليبي ، فإذا لم يفعل الإخوة الأمازيغ ذلك أو استجابوا لمن يدعوهم لضده ،فإنني على يقين بأنّ الحالة الأمازيغية في ليبيا سوف تدخل في صراعات متعددة الوجوه مع مكونات المجتمع الليبي يتولد عنها تعصب وبغض وتناحر في المجالات الفكرية والثقافية ونحوها ، تؤدي في نهاية المطاف إلى تأخر الحالة الأمازيغية عن أخذ الموضع الصحيح على الخارطة الليبية الذي ينبغي أن تكون عليه .

إنني أنصح ومن كل قلبي لأهلي الأمازيغ إياكم مما يريده بعض العلمانين من إقحام الإسلام في ساحة الصراع الثقافي بين مكونات المجتمع الواحد فالأصل الذي نؤمن به أن الإسلام هو الحل لكل الصراعات ،وليس السبب فيها ، لأنه الدين الذي جاء بقواعد واضحة وأصول ثابتة كافية لجمع الناس في إطاره رغم اختلاف أجناسهم وأعراقهم ولغاتهم ، وتيقنوا أيها الأهل الكرام أن الإسلام لم يبن أحكامه يوما ما على الانتماء العرقي أو الجنسي أو اللغوي ،وإنما المعيار فيه هو الإيمان والعمل الصالح قال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }،وما حدث في التاريخ خلاف ذلك فهو مردود على أصحابه والإسلام منه براء ، وإنني أقول وبكل وضوح إن المنتج الحضاري الإسلامي لم يكن يوما ما صناعة قومية عربية وإنما هو صناعة كل الأعراق والأجناس والألوان التي كيفت ثقافتها مع الإسلام وعقيدته ، وتفاعلت مع دينها الذي آمنت به مع حفاظها على خصوصياتها الثقافية والتراثية في إطار هذا الدين .

ثامناً : بعض مقومات النجاح للمطاب الأمازيغية .

  إن الحركة الأمازيغية في ليبيا ستبقى في مجال المطالب الوطنية الحقيقية إذا التزمت بالتالي :

1-       عدم الوقوع في الاستقطاب الخارجي والرفض المطلق لأَي توجيه من أي دولة خارجية لهذه المطالب ،وهذا ما نعتقد أن أكثر الأمازيغ الوطنيين في ليبيا ملتزمون به ، ولا أظن أننا سنختلف في أن العامل الخارجي يستبطن وبكل قوة روح التشتيت والتشويش على الوحدة الوطنية في ليبيا ،وعلى الروح الإسلامية لأهلها من العرب والأمازيغ وغيرهم.

2-       البعد عن التعصب العرقي الذي يؤدي إلى الكراهية ،والعداء والتفرق الاجتماعي بين أبناء المجتمع الليبي الواحد ،هذا التعصب الذي يولد ردة فعل عند الأخرين تواجه التعصب بتعصب قومي بغيض يُدخل البلد في ظلمات الفتن ونقمة التنازع والاختلاف، {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } .

3-       الحرص على نظافة الوسائل المستخدمة للوصول إلى الحقوق المشروعة فالغاية عندنا أيها المسلمون لا تسوغ الوسيلة، والانتصار للحقوق لا يمكن أن تكون طريقه الكذب والتزوير ،والاتهامات الباطلة للآخرين، و{إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ}.

تاسعاً : اللغة الأمازيغية وطنية أم رسمية .

هذه النقطة يعتقد الكثير من أهلنا الأمازيغ أنها مفصل أساسي في مطالبهم – وهي كذلك – لأنها المسار الأول الذي تبدأ به المطالب الأمازيغية ، ثم تعقبها المطالب الأخرى ومع ضيق مساحة الكتابة في هذا المقال فإنني أكتفي في هذا الصدد بالأتي :

1-       ينبغي الاتفاق على الحد الأدنى القانوني من الاعتراف باللغة الأمازيغية كلغة وطنية لأصحابها الحق الكامل في تعلمها وتدريسها والتسمية بها ، وتمكين أبنائها من كل السبل التي تحافظ عليها ، وهذا الحد ليس فيه مِنّة من أحد بل هو ما يقتضيه العدل والانصاف والتساوي في الحقوق بين أبناء المجتمع الليبي .

2-       ما يتعلق بدسترة اللغة الأمازيغية _ أي أن تكون اللغة الأمازيغية لغة رسمية مع اللغة العربية _ فإن موقفي الشخصي الذي لايمثل أحدا إلا المتحدث به يرتكز على التالي :

أ‌-     أن حالة التعريب التي  شهدتها المناطق الأمازيغية في ليبيا عبر التاريخ هي قرار اتخذه أجدادنا من الأمازيغ ،وغيرهم بطريقة تلقائية دون إكراه أو قهر من أحد ، وذلك عندما تفاعلوا مع دينهم وعقيدتهم ، وآمنوا أن العربية هي عربية اللسان ، وأنها القوالب اللغوية لفهم نصوص الكتاب والسنة ولذا تفاعلوا معها وأحبوها مع محافظتهم على لغتهم الأصلية دون أن يُنقص ذلك من قدرهم أو يؤثر على حقوقهم ، بل عندما نقرأ في تراجم كل الرموز العلمية الأمازيغية سنجد أن كل ما كتبوه – أو أكثره – إنما كان باللغة العربية في أسمى درجاتها، وأنهم قد ساهموا في تفسير القرآن الكريم، والسنة المطهرة ، ونشر الفقه والعقيدة وعيون علوم العربية التي تصعب على العرب من أمثالنا اليوم فهمها ،وهذا لاينطبق على الماضي البعيد فقط بل حتى في العهد القريب فمن لايعرف بلاغة الشيخ العلامة الأديب علي يحى عياش معمر ،وشعر الشهيد اللغوي الأديب عمرو النامي _ رحمهم الله _ .

ولذا فلا يمكن لأحد أن ينكر التمازج والتبادل اللغوي والثقافي بين العربية والأمازيغية عبر التاريخ الليبي الطويل  .

ب‌-     أنني إلى هذه اللحظة لم يتبين لي وجه الصواب في مسألة الدسترة للغة الأمازيغية وأنا الآن أبحث في التجارب العالمية في دسترة أكثر من لغة في الدولة الواحدة ومدى الايجابيات والسلبيات المترتبة على ذلك وآخر التجارب العربية التي أدرسها هي تجربة المملكة المغربية ،ولم أكمل البحث في هذه المسألة بعد وأتمنى أن استمع لأخواني الأمازيغ في ليبيا حتى أعرف الأبعاد العلمية والموضوعية لذلك كما أنني سوف أبدأ بجلسات مع عدد من العلماء والمفكرين في ليبيا لمناقشة هذه المسألة قبل أن تبدأ لجنة الدستور عملها _ بإذن الله – .

ت‌-     أن أكثر التجارب التي يُستدل بها على إمكانية تعدد اللغة الرسمية في الدولة الواحدة هي واقعة تحت قاعدة القياس مع الفارق أي الاستدلال بها غير صحيح ، وذلك لمسألة سهلة تغيب عند أصحاب هذا الاستدلال ، وهي أن هذه الدول المستدل بها كلها اعتمدت النظام الفيدرالي أو أقاليم الحكم الذاتي ،كما يُمثل دائما بسويسرا وهي دولة كونفدرالية محكومة بمجلس فيدرالي مبني على نظام الكنتونات ، ولذا لم يُنص في الدستور السويسري على لغة رسمية وإنما نُص على أربع لغات وطنية كما في المادة رقم أربعة من الدستور ،ويمثل كذلك بأسبانيا واللغات فيها تابعة للحكم الذاتي واللغة الرسمية فيها واحدة وقد جاء في المادة الثالثة عن اللغة الرسمية ما يلي :

  • الكاستيانو هي اللغة الرسمية للدولة ويجب على كل أسباني واجب معرفتها والحق في استعمالها .
  • لغات أسبانيا الأخرى ستكون رسمية تبعاً للحكم الذاتي وطبقاً لأوضاعها .

 ، وكذلك بلجيكا وجنوب أفريقيا ،والهند كلها فيدرالية ومن الدول العربية التي يستدل بتجربتها مع اللغة الكردية العراق وهي فيدرالية كذلك،ولايبقى نموذج يمكن الاستدلال بتجربته إلاّ نموذج المملكة المغربية والتجربة فيه حديثة الولادة ، ومستوى النجاح فيها ضعيف جدا ، والصعوبات التطبيقية التي تواجه التجربة كثيرة ، وأنا كما قلت في صدد دراستها عن قرب لمعرفة إمكانية صحة القياس عليها مع ضرورة مراعاة الاختلاف بين الحالتين الليبية والمغربية من حيث النسبة الصحيحة لعدد الأمازيغ في ليبيا ،وعدد الأمازيغ في المغرب وأثر ذلك على إمكانية القياس .

ث‌-     الذي أنطلق منه في بحثي لهذه المسألة هو أن الأصل الشرعي فيها هو الإباحة لا غير إذ هي من مسائل السياسة الشرعية التي الأصل فيها الجواز والإباحة ولايحرم منها شيء إلاّ بدليل صحيح تقوم به الحجة ،ومدارها على فقه المصالح والمفاسد الذي تقوده قاعدة أن الشَّرِيعَةَ مَبْنَاهَا عَلَى تَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا .

ج‌-      أن اختيار دسترة اللغة الأمازيغية في ليبيا المدار فيه على تحقيق المصالح الدينية والوطنية لحاضر ليبيا ومستقبلها ، فينبغي أن نتجرد عن كل عصبية أوعرقية أوحزبية تضر بحاضر المجتمع الليبي  وتهدد مستقبله .

فإذا ثبت أن في ذلك مفاسد تعود على مستقبل الحالة الدينية ، أو الوحدة الوطنية أو التماسك الاجتماعي فينبغي أن يصار إلى المنع دون تردد ،المهم في ذلك أن تُبنى القرارت على قاعدة علمية وواقعية وموضوعية متينة بعيدة عن الانطباعات الشخصية أو العواطف السطحية ،وتقوم على أصل النظر لدسترة اللغة الأمازيغية وهل يشكل ذلك عنصرا إضافيا إيجابيا في الواقع الليبي أم هو عنصر إرهاق وتفريق للمتجمع ووحدته ، وأعترف أنه إلى هذه اللحظة ليست عندي أجوبة حقيقية عن ذلك، ولم أستمع إلى طرح عميق يقنع الإنسان برأي واضح فيها.

ح‌-      أننا بحاجة إلى حوار وطني شامل خاص بدسترة اللغة الأمازيغية – إضافة إلى الحوار الذي ذكرت سابقا – وهو حوار يجمع النخب من مكونات المجتمع الليبي وتشرف عليه مؤسسات المجتمع المدني المعنية بالمسألة الأمازيغية ،ويناقش بتجرد كامل الأبعاد ،الدينية ، والقانونية والحقوقية والفكرية لموضوع دسترة اللغة الأمازيغية ،وبذلك يتحقق الاستماع المباشر لأهلنا الأمازيغ بعيدا عن أي عصبيات أو مواقف سابقة أوأحكام مبسترة جاهزة.

عاشراً : ما أخافه على المطالب الأمازيغية .

من خلال تتبعي للكتابة في الشأن الأمازيغي عبر المجلات ومواقع الأنترنت ، ومن خلال الحوارات مع بعض الإخوة الأمازيغ أحب أن أضع هذه المخاوف التي ظهرت لي وأرجو من الجميع أن ينظر إليها بعين الإنصاف والعدل وحسن الظن بصاحبها :

1-       بروز روح التحامل على كل ما هو عربي أياً كان مجاله ،وتقديمه بشكل مستمر على أنه مناقض للأمازيغية أو مصادم لها ،وهذه الروح جاءت كردة فعل ضد التعصب القومي العربي الذي مثله القذافي ضد الأمازيغ وهو تعصب مرفوض بكل ما تعنيه الكلمة ، ونحن ضد العصبية العرقية أياً كانت ومن أي أحد جاءت ،ولكنّ هذه العصبية القومية العربية لا يمكن أن تعالج بعصبية أخرى للعرق والقومية الأمازيغية .

2-       الوقوع في أسر التفسيرات الغربية الحاقدة على التاريخ الإسلامي واعتبار الفتح الإسلامي لليبيا – وهوالذي أخرج الله به الليبين من ظلمات الشرك والوثنية إلى نور الإيمان والتوحيد _ غزواً همجيا دمر الحضارة الأمازيغية ، وانطلق من أهداف مادية وليست رسالية سامية ،وهذه التفسيرات قدمها المستشرقون وتُرددها بعض النخب الأمازيغية ، وهي أمر غير صحيح ومجاف للحقائق التاريخية ، وترسخ الصراع المتوهم بين الإسلام والأمازيغية .

3-       الوقوع في أسر الخطاب الماضوي الحزين ،المتأثر بمرحلة نظام القذافي وعدم طرح خطاب مستقبلي متفائل يطرح المطالب الأمازيغية بوضوح ويبين دوافعها ودواعيها التاريخية والجغرافية والدينية والوطنية ، كما يقترح مجموعة من الآليات والإجراءات التي تعين على الوصول إلى ذلك دون أدنى مصادمة مع التماسك الاجتماعي والوحدة الوطنية في ليبيا أي التخوف من سيطرة أحداث الماضي وآثارها على الرؤية المستقبلية للمطالب الأمازيغية .

تلك عشرة كاملة فيها خلاصة تحتاج إلى حوار طويل وقد كتبتها وأنا أعلم أنها ستثير الكثير من الجدل والتفسيرات من أطراف كثيرة بعضها يبحث عن الحقيقة وينشدها ،وبعضها يبحث عن مواطن الخلاف ليبني عليها صراعا متوهما ومعركة خيالية بيني وبين أهلي الأمازيغ في ليبيا والله حسبي ونعم الوكيل وسوف أكون سعيدا بكل الملاحظات التي تثري هذا الموضوع المفصلي في تاريخ ليبيا الحديث والحمد لله رب العالمين .