عذرا أيها الخيرون! …… مفتي الديار فضيلة الشيخ الصادق الغرياني

في قسم : أقلام وآراء | بتاريخ : الأربعاء, 2 يناير 2013 | عدد المشاهدات 1194

دار الإفتاء الليبية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

عذرا أيها الخيرون !

 

 

أيها العلماء، أيها الفضلاء، أيها المصلحون، ورثة الأنبياء، أيها الدعاة إلى الحق، الحريصون عليه، الحاملون لرسالته، أيا كانت تخصصاتكم، أيا كانت اهتماماتكم، أيا كانت ميادين عطائكم للوطن وإسهاماتكم في بنائه …

 

عذرا على الأذى … عذرا على التشهير بدار الافتاء!

 

لقد سمعتم وسمع كل الخيرين من أهل وطننا العزيز ما يؤذي وقعُه ويؤلم سماعُه، وذلك عقب أن وجهت دار الإفتاء نصحا لأهل بنغازي ألا يشاركوا في مظاهرة جمعة بنغازي.

 

فتحت بعض قنوات الإعلام شهية الجائعين لأكل لحوم العلماء، وطلاب العلم وحملة القرآن، في برامج متنوعة على مدى أيام متواصلة، جرحتهم بأسمائهم على الهواء وسفَّهتهم، سلقوهم بألسنة حداد، وأطلقوا عليهم ألسنتهم بالسوء، قرّعوهم ووبخوهم، وسلطوا عليهم الدَّهماء يُهددون ويَصخبون ويُزبدون ويتوعدون، وعلى الوطن يتباكون!

 

رموهم بكل فِرْية، وزعموا أن فيما قالته دار الإفتاء أجندة!

 

روجوا الباطل وزيفوا الحقائق، يخفون المحاسن ويختلقون المعائب!

 

جحدوا الفضائل جحد من لا يعرف الوفاء، وزعموا أنهم بذلك تنفسوا الصعداء!

 

قالوا: لم تتكلم دار الإفتاء عن التفجيرات والاغتيالات، ولو رجعوا إلى صفحتها لوجدوا البيانات، وما احتاجوا إلى تخمينات!

 

قالوا: الكلام عن المظاهرات محظور، لأنه مِنَ التدخل في السياسة، والسكوت عن التفجيرات من دار الإفتاء مشين، فالسكوت حينا يكون داخلا في السياسة ، وحينا خارجا عنها!

 

فلا تدري دار الإفتاء ما الذي هو داخل في السياسة من الذي هو خارج عنها، بينوا لنا حتى تلزم دار الإفتاء حدودها؟!

 

انظروا كيف يلعبون بمشاعر العامة فيحملونهم على التناقض، ويتحاكمون إلى الهوى، وفي الوقت نفسه يقولون: تركنا ما كنا عليه، والتزمنا تحكيم الشريعة!

 

عذرا أيها الخيرون على الهجمة العاتية على دار الإفتاء دون هوادة!

 

هذه المرة لأنها نصحت وبينت، فلاموها لم بينت؟ ولو أعرضت ووقع المكروه لوبخوها وقالوا لم سَكَتَتْ؟

 

هذا ديدنهم! هذا الذي عهدته دار الإفتاء وعهده الشيوخ وأهل القرآن والعلماء منهم، مِن قنوات إعلام قالوا إنه حر! هل هذه الحرية التي قامت لأجلها الثورة، وتطلع إليها الليبيون، يا خيبة المسعى!

 

جرأة على الدين وأهله، وعلى الإفتاء وشيوخه، لم تشهدها ليبيا من قبل، حتى في أحلك أيامها.

 

هل سمعتم ببلد مسلم أو يهودي؟ ليبرالي أو علماني؟ تُقدم بعض قنواته برنامجا على الهواء مباشرة يُغري مُقَدِّمُه كُلَّ مَن دب وهب ممن ليس له في العلم شأن، أن يُقَيِّم فتاوى المفتي، يُخَطِّئ ما يريد ويقبل ما يريد، ويتكلم عن العلم الشرعي الصادر من الدار وأحكام الدين بهواه ورأيه؟! ويُفسَح له المجالُ حتى بذكر الأسماء والنعوت والتنابز بالألقاب، وما يغفل عنه المشارك من العوام لا يغفل عنه مُقدِّم البرنامج!

 

أخذ رأي الناس على الهواء ـ الذي صارت له برامج ثابتة في بعض القنوات ـ في قضية ما، قد يخدم تهييج الشارع فيما تتبناه القناة، لكنه لا يصلح في الحقيقة من الناحية العلمية لتكوين رأي عام صائب حول تلك القضية، لأن استطلاع الرأي ـ الذي يُتوقع أن يعطي نتائج إيجابية يمكن أن تؤسس عليها أحكام ـ له قواعده وشروطه، وقوانين تحدد شرائحه المستهدفة وأعدادها، والحيادية في اختيارها، وما إلى ذلك، لا أن تكون للقناة وجوه مرتبطة بها مؤيدة للتوجه الذي يهدف إليه البرنامج، متكررة حاضرة في كل استطلاع رأي، ثم نحاول أن نعطي انطباعا للمشاهدين أن هذا هو توجه الرأي العام في ليبيا حول تلك القضية، هذا لا يصلح، ولا قيمة له من الناحية المهنية، حتى في المسائل العامة التي لا تحتاج إلى تخصص، فكيف إذا كانت القضية المطروحة قضية علمية بحثة، يُرسَل عليها مَن دب وهب ليقول برأيه، ثم كيف مرة أخرى إذا كانت القضية أكبر من ذلك، تتعلق بالحلال والحرام؟!

 

ليس هذا من شأن تكوين الرأي العام في شيء، هذا ربما يسمى استغفالا، فالجرأة على القول في أحكام الله بالهوى مما يدخل في قوله تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ)!

 

وأنتم أيها الدعاة والعلماء، وطلاب العلم، لا تحزنوا ولا تهينوا، بإذن الله لن تُخْذلوا، فإن الزبد غثاؤه سيذهب جفاء، والحق لا محالة ثابت، وفرعه في السماء، أنتم أدرى من غيركم برسالتكم، وأعلم ممن سواكم بثقل حِمْلكم، فلا يجرمنكم شنآنهم أن تَفْتُروا، ولا يحملنكم تضليل إعلامهم أن تيأسوا، فلن يضروكم إلا أذى (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ).

 

 

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

 

19 صفر 1434 هـ

 

الموافق 01-01-2013