التعليم ومناهجه … عود على بدء

في قسم : منتقى الصحف | بتاريخ : الثلاثاء, 18 ديسمبر 2012 | عدد المشاهدات 770

الشيخ الصادق الغرياني

بسم الله الرحمن الرحيم

المناهج التعليمية في بلادنا لا تزال محتاجة إلى مزيد من المراجعات وإلى إعادة نظر واسعة ، سواء من حيث مسميات المواد المقررة وتنوعها ، أو من حيث مفردات تلك المواد ومحتوياتها ، ليس فقط في المراحل الابتدائية ، بل في كل المراحل التعليمية .. عند وضع المناهج التعليمية في أي بلد ، هناك خصوصيات محلية لكل أمة لابد من مراعاتها وأخذها في الحسبان ولا يمكن إغفالها ، وإلا تنكبنا الطريق .. أمم الأرض شرقا وغربا في أي بلد ، في الهند ، أو في أمريكا ، أو في أي مكان من العالم ..

تتفق جميعا على مسميات مواد تعليمية مثلا : الحاسوب ، والرياضيات ، والتاريخ ، أو المجتمع ، أو التربية الوطنية ، كيفما كانت مسميات تلك المواد عندهم ، لكن تبقى مع ذلك ضمن مفردات هذه المواد أو غيرها خصوصياتٌ تتناسب مع هذا البلد أو ذاك ، تجب مراعاتها حتى يحقق التعليم الأمل المرجو منه في تجسيد أهداف الأمة وطموحاتها ، وحتى يحترم واضعو مناهجه مشاعر أمتهم وشعوبهم ، الذين ائتمنوهم على حمل هذه الرسالة الشاقة ، ولا يشعروهم بأنهم خذلوهم في أعز شيء أمَّلوه من التعليم ، وهو مستقبل أولادهم الذي يرون فيه أنه لا يكتمل بالتفوق العلمي وحده ، حتى ينضم إليه تفوق آخرُ تربوي وأخلاقي ، يحافظ على القيم الدينية وأعراف المجتمع النابعة منه.
لو فكر خبراء مناهج التربية في اليابان ـ على سبيل المثال ـ أن يضعوا في مناهج الصفوف الأولى لأطفالهم تعليم مبادئ الدين الإسلامي ، أو تعلم عادات من خصوصيات المجتمع الأمريكي ، أو المجتمع العربي ، لامتعض اليابانيون وتعجبوا من صنيع خبرائهم في التربية ، مع أن تلك المبادئ التي تعجبوا منها هي موضع احترام وتقدير في مجتمعاتها ، لا تستوجب عندهم امتعاضا ولا عجبا.
السبب في عجب اليابانيين وضع الشيء في غير موضعه ، فهو مضر حتى لو كان في ذاته جيدا عند قومه.
استنساخ المناهج دون مراعاة الخصوصيات أمر مرذول غير مقبول!
من الخصوصيات التي لها أولوية في المجتمع المسلم مراعاة مشاعر المسلمين ، الذين يحرصون دون شك ليس فقط على التفوق العلمي ، بل أيضا على الصيانة والديانة! وأن يكون تعليمهم العلوم النافعة مصاحبا لغرس الفضائل، وقيم الإسلام النبيلة في نفوسهم.
أن يُدَرَّس في المراحل الابتدائية الحاسوب ، واللغة الأجنبية، والتقنية بما يتناسب مع الصغار والأعمار هذا مقدر ومشكور من لجنة المناهج!
لكن أن تُفرض على طلبة السنة الرابعة الابتدائية وما بعدها مادة الموسيقى!
أو أن يُفرض في المرحلة الإعدادية على الطالب في بلد مسلم كيف يحسب الفائدة على السُّلف الربوية!
أو أن تُوجِّه وزارة التربية والتعليم منشورا عموميا على المدارس تُلزمهم فيه بالاختلاط جبرا، مستندة حسب ما جاء في منشورها إلى أن خبراءها يعدون الفصل والتمييز بين البنين والبنات في المقاعد أو الفصول الدراسية لا يتمشى مع النظريات التربوية الحديثة!
أو يُلزم منشورُها الطلاب عند وقوفهم للنشيد الوطني بوضع أيديهم على صدورهم، كما يفعل الطلاب في (كاليفورنيا)!

فهذا وأمثاله ـ من المُسْتَوْرَد الذميم على بيئتنا بلا شك ـ مما يثير الامتعاض، ويؤذي المشاعر، ويغيظ قلب كل أب غيور!
لماذا الاستنساخ وقبول المستورد على عِلاَّته!
تصور أن خبراء التربية والتعليم في سنغافورة فرضوا على طلابهم في المرحلة الإعدادية تدريس موضوع القرض الحسن عند المسلمين، وما وعد الله تعالى عليه من الأجر العظيم، أو فرضوا عليهم مادة الاقتصاد الإسلامي، سيكون الأمر لديهم أضحوكة، وأتوقع أن يُستدعى البرلمان إلى جلسة طارئة لاستجواب المسؤولين والنظر في الأمر.
كنت أتمنى بدل أن يُمضي ولي أمر الصغير يومه يَسعى جاهدا من مكتبة إلى أخرى، يبحث بلهفة عن كراسة موسيقى فلا يجدها! ـ وربما كان فقدها من المكتبات، بسبب أنها ليست من التجارة التي اعتادها الناس في هذا البلد! حتى من قبل الثورة.
كنت أتوقع من خبرائنا في المناهج بدل فرض كراسة الموسيقى أو آلاتها في المدارس على طلاب الابتدائية، أن يُلزموا هذه المدارس بتوفير الأجهزة الحديثة (كالأيباد مثلا) للطلاب ليحل محل الكتب والكراسات والشنط الثقيلة المكتظة، وليفتحوا لهم نافذة نافعة على المعرفة، أم أن هذا حلم مبكر سابق لأوانه!
الموسيقى في سنغافورة ـ عفوا ـ في ليبيا تسبق الحاسوب!
الموسيقى تبدأ مع صغارنا من السنة الرابعة الابتدائية!
أما الحاسوب فيبدأ حسب النظرية الليبية في التربية متأخرا عليها، في الخامسة!
ولي الأمر المسكين ، الساعي بين المكتبات ـ شاء أم أبى ـ ليس له حيلة تحت إلحاح صغيره المُهَدَّد في اليوم التالي بالضرب من المعلم إن لم يُحضر كراسة الموسيقى! يا وزارة التعليم! ويا لجنة المناهج!
تذكروا قول مولاكم: (يأَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَخُونُوا الله والرسول وَتَخُونُوا أماناتكم وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)!.
(أَلاَ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)!
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

غرة صفر 1434 هـ

الموافق 15 ديسمبر 2012