مصطفى مراجع الرعيض : ليبيا بين أوصياء الثورة وأوصياء الدولة

في قسم : أقلام وآراء | بتاريخ : السبت, 1 ديسمبر 2012 | عدد المشاهدات 575

مصطفى الرعيض

مصطفى الرعيضأفرزت ثورة 17 فبراير واقعاً جديداً في المشهد السياسي الليبي، لم يكن موجوداً من قبل، كان من نتائجها قوى ومراكز نفوذ جديدة، منها ما تشكل كحدث طبيعي برز فيه قادة ميدانيين وسياسيين خاضوا غمار الثورة وواكبوها، ومنها ما تمت صناعته وإعداده لاحتواء الثورة، والإلتفاف على مكاسبها أو لنيل مغانمها، كما التحق بالثوار فلول الكتائب الأمنية ومليشياتهم العسكرية وأعادوا انتشارهم، وزعزعتهم للأمن، زد على ذلك انتشار أصحاب السوابق والجرائم الجنائية الذين أطلقهم النظام أثناء الثورة ليزداد بهذا ارتباك المشهد وتدخلاته المتناقضة.

طبيعي عند سقوط أي نظام استبدادي قمعي أن يٌحدث فراغاً بعد رحيله، وأن تبرز على السطح المشاكل والحزازات التي كانت مكبوتة، وأن تطل برؤوسها تلك القيادات والزعامات المحلية وتحدث الانقسامات بعد سقوط السلطة المركزية التي كانت تجير البلاد بالظلم وإفساد الذمم والنعرات العصبية.

ربما من شدة ارتباك المشهد الحالي من أصبح يقارن سنوات القذافي العجاف بهذه المرحلة الانتقالية، وكأننا كنا في وضع دولة مستقر لم يكن ينقصه إلا إزاحة العقيد القذافي من الحكم وأن أوضاع الدولة ومؤسساتها كانت في زضع سليم لا ينقصه إلا عودة الدولة بشكلها القديم للخروج من حالة الفراغ والفوضى.

هذا لا يأتي إلا من قصور في النظر أو من قلة الحيلة وسؤ الطوية لإن الرجوع للوضع السابق يٌحدث ثورة مضادة ويزيد من ارتباك المشهد وزيادة انفلات الوضع الأمني على ما هو عليه الآن، كما أن الخروج من حالة الفراغ لا يكون بإحداث فراغ أكبر منه بعودة رجال الأمن السابقين والأزلام إلى مراكز ومفاصل الدولة قبل أن تحدد معايير ومواصفات جديدة تناسب مبادئ ومنطلقات الثورة. وتكون الوظائف في خدمة الشعب لا قمعهم واستغلالهم.

كثير من منتسبي الأمن ممن لم ينضم إلى الثورة إعتزل الأحداث وجلس في بيته ينتظر من تكون له الغلبة، أو من أجل الحفاظ على نفسه واتخاذ موقف محايد، ولم يكن الوصف الوظيفي لمهنة الأمن مبني على أسس حماية المواطن والوطن ووفق الإختيار المناسب بل اجتمع كثير من شذاذ الأفاق والمنحرفين وتكدسوا في في تلك الوظائف وكانت ولائتهم لما يريده الحاكم متجازوين للقوانين واللوائح، فلابد أن يسبق عودة أفراد الأمن تحديد رجل الأمن المناسب في المكان المناسب، وأن يكون متحلي بشهادة حٌسن السيرة والسلوك وإحترام قيمة وكرامة المواطن.

من يصم أذنيه، ويٌغمض عينيهمن المسؤولين ليسير في إتجاه محدد دون مراعاة للظروف الراهنة فإنه يأخذنا نحو مزيد من التأزيم، ويخلق نوعاً من التجاذبات والإستقطاب الحاد الذي يٌعطل مسار الدولة، ويجعلنا في دائرة مٌغلقة لا نٌخرج منها تستهلكنا لسنوات طويلة فلابد من مرعاة ما اسفرت عليه الثورة من معادلات وتوازنات ومراكز قوى وسيطرة ونفوذ وذلك وفق مرحلة انتقالية تعيد صهر هؤلاء، واستيعابهم في شكل الدولة أو حفظ حقوقهم وتأمين الخروج الآمن من هذه التوازنات، أو الإنحياز لمراكز قوة دون أخرى، وليس عبر تجاهلهم وحشرهم في زواية ضيقة واستفزازهم في ظرف تكون فيه الدولة ضعيفة وغير موجودة على الأرض، لآنه في هذه الحالة والوضع تكون كل الأطراف قد خسرت الوطن.

ما نحتاجه هو مرجعية نتفق عليها، وشكل للدولة يكون مٌلزم للجميع لا تتجاذبه الأطراف أو تعاكسه مراكز النفوذ، ونجري عليه استفتاء عام تسانده قوى الشعب وتحميه من أي اختراق لانه قرارها، وكلما حاولت قوى مركزية أو جهوية أو

غيرها اختراقه وجدت الشعب صداً منيعاً يمنع قوى الشر من التلاعب، أي بمعنى آخر محاصرة الشاذ المنفلت من الإجماع الشعبي بقوة الشعب، أمًا ما يحصل الآن من اجتهادات فردية لتشكيل الحكومة “وفق توافق” يسبق الدستور ويتجاوز معاييرالنزاهة بحجة التوافق و في حالة فراغ دستوري فإنها هي أي هذه التوازنات والإختيارات تصبح هي المسيطرة والمؤثرة في تحديد تصور وشكل الدولة القادم مهما قلنا عكس ذلك.

انظر على سبيل المثال الحملات على لجنة النزاهة كرفض لإي معاييرتٌصبط به الدولة، وأعد النظر في تشكيلة الحكومة وفق التوافق الوطني في و زارات سيادية وحساسة تجدها تخلق مراكز قوة داخل تلك المؤسسات بحجة الحيادية في حين أنها تمارس سياسة الإقصاء وذلك لإن حقوق المواطنة لجميع الليبين ليست هي المعيار المرغوب وأن المحاسبة كانت على ما تحمله من أفكار وتوجه حتى ولو كنت تملك شهادات الخبرة والتخصص فإنك تكون قد صنفت وأنتهى أمرك.

ما يخٌيف أكثر ويتوجس منه كثير من الثوار هو أن تٌصبح المناصب الحكومية، ومؤسسات الدولة أداة لتصفية المخالفين، وسلاح لاقصاء التوجهات السياسية، وأن

تكون عرضة للإختراق وللفساد المالي على حساب الكفاءة والوطنية.

المعايير لتقلد المناصب يجب أن لا تكون غير منضبطة وفي يد السياسي لإنه بهذا تصبح أداة للتلاعب والولاء الشخصي، على أقل تقدير تكون هناك جهة محايدة تحدد تلك المواصفات يشتكي إليها الموظف،لان حق الترشح للوظائف وتساوى الفرص أمام كل المواطنين بغض النظر عن الانتماءات الفكرية والسياسية، وهذا ما يبعث على الاطمئنان بأن الدولة على مسافة واحدة من كل المواطنين، وبأن مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية والعسكرية لن تستعمل من جديد لقمع المواطنين، أو يستغلها أي مسؤول لتصفية خصومه السياسين.

بغير هذا التوجه، وحيادية الدولة فإن ظهر الدولة سيمتطيه مٌستبد جديد، وتٌسرق الثورة ويعود الأزلام أو من أكثر منهم شراسة مهما قيل عكس ذلك لأن حالة الإستقطاب في الشارع شديدة، وحالة التباطؤ والإرتباك للمؤتمر واضحة، وشكل الدولة ودستورها لم يتشكل بعد.

ربما يفٌسر هذا الوضع تركيز شباب الثورة على الانضمام للأجهزة الأمنية والعسكرية’ ومعارضة بعض الأطياف السياسية ذلك التوجه، لأن الجميع يريد حفظ مكاسبه، وتقوية مركزه بالتوجه نحو سلطة الدولة لإقرار ذلك.

لا شك أن مطلب الأمن شئ أساسي على رأس الأولويات لإستقرار البلاد لكن التوجه الحميم والرغبة الشديدة في الانضمام للأمن والشرطة والجيش يجب أن لا يتعدى حفظ الأمن والإستقرار وأن يرتبط بالمهنية كمعيار قبول لأن تعدي ذلك يؤدي بنا إلى عودة الدولة القمعية البوليسية في ثوب جديد سواء كان علماني أو ديني، وما دامت مخاوفنا من شبح الدولة القادم محتملة الوقوع فلن نرتقي في توجهاتنا لبناء دولة مدنية تسعى لبناء أمة وصناعة حضارة.

كذلك تجاوز العدالة الأنتقالية والإنتقال المباشر للمصالحة بحجة الضرورة الملحة يفقد مصداقية هذه المصالحة، ويزيد من عملية الإغتيالات خارج إطار القانون، وهذا بسبب الإجتهادات الفردية التي ترى في نفسها القدرة على الاستمرار في الوصاية على الشعب وتمرير ما تشاء من تشكيل شكل الدولة القادم.

علينا بالانتباه أيضاً للأوصياء الذين يختارون رموز وقيادات على الرأي العام بإظهارهم وتلميعهم إعلامياً على حساب قيادات موجودة ورسمية فالإعلام الموجه أيضاً نوع من الوصاية.

ليس المقصود أن تنتظر الحكومة الإنتقالية دستور الدولة الدائم لإن هذا يأخذ وقتاً ويناسب دولة مستقرة لكن المطلوب ألا تتحرك الحكومة المؤقتة في فراغ أو وفق إجتهاد رئيس الحكومة لإن هذا مدعاة للشكوك ولعدم الثقة فالمراحل الإنتقالية الناتجة عن ثورات شعبية تحتاج إلى دستور انتقالي وقوانين لحماية الثورة تجمع ما بين العدالة الثورية والإستقرار المؤسساتي ليحدث الانتقال دون وجود فراغ تختلط فيه الأوراق والإجتهادات، وهذا يتطلب إدارك من المواطنين أيضاً في أن المرحلة الحالية لا يتوقع منها تحقيق كل المطالب والرغبات إنما هي لحماية الثورة، وضمان انتقالها بقوانين تناسب المرحلة وتهئ الأرضية المشتركة لوجود دولة الإستقرار.