د. الصادق بن عبدالرحمن الغرياني : نقاط على الحروف

في قسم : أقلام وآراء | بتاريخ : السبت, 1 ديسمبر 2012 | عدد المشاهدات 539

الشيخ الصادق الغرياني

الشيخ الصادق الغريانيبسم الله الرحمن الرحيم

الشيخ الدكتور الصادق الغرياني

يتطلع الناس اليوم – لا أقول لتحريك الركود الذي جثم على مؤسسات الدولة طول المدة الماضية حتى صار لدوامه نخشى أن يكون قد فَرَض نفسه وبات أمرا واقعا لا انفكاك عنه! – لا أقول فقط يتطلعون لتحريك هذا الركود الذي سئموه، بل يتطلعون لوقف التراجع الملحوظ في تحقيق أهداف الثورة.

فقد صار هناك شعور بالإحباط بدأ يَدِب إلى نفوس قاعدة عريضة ممن حملوا هموم الثورة ومعاناتها، وحرصوا على أن تحقق أهدافها، وكلفتهم هذه الأهداف التي خرجوا لتحقيقها ثمنا باهضا ضحَّوْا فيه بالأرواح وبالغالي والنفيس.

والسؤال: كيف السبيل لوضع حد لهذا الركود وذاك التراجع؟

وضع حد لهذا كله يتطلب أن تكون لدى مؤسسات الدولة المتمثلة في: (أعضاء الحكومة، وأعضاء المؤتمر الوطني العام) الشجاعة الكافية لوضع النقاط على الحروف، وترك المجاملات الحزبية، أو المصالح الشخصية والجهوية جانبا، وتذكيرُ النفس بميثاق الشرف وبيمين العهد والقَسَم الذي طَوَّقوا به ـ يوم قبول المنصب ـ الأعناق: على أن تكون مصلحة الوطن العليا فوق كل اعتبار.

هناك أمران لتحريك هذا الركود ووقف التراجع ينتظرهما الناس بصورة عاجلة وملحة هذه الأيام من الحكومة والمؤتمر الوطني العام، هما:

إصلاح القضاء، وقانون العزل السياسي.

لأنهما إن لم يتحققا فتدهور الأوضاع لن يتوقف، والتدهور الذي نراه لا يُحتاج إلى سرد مفرداته، فمظاهره تستعصي عن الحصر والعدِّ! منه على سبيل المثال:

… الوضع الأمني الذي لم توضع له خطة ناجعة بعد، ومؤشره يزداد تدنيا

… الفساد المالي الذي يتكلم الناس فيه على المليارات لا على الملايين! ـ دون وجود أي جهة يَشعر الناس أنها معنية بالتحقيق فيه ومتابعته ـ يتوسع

… الانحراف الأخلاقي المتنامي، المنافي لقيم المجتمع وتوجهاته لا تخفى مظاهره، لغياب القانون!

… الأهداف والمشاريع والخطط في الوزارات ومؤسسات الدولة، الكلام عليها كثير، والأموال التي رصدت لها وصرفت طائلة، لكن الواقع الملموس؛ كلام بلا عمل، لم ير الناس منه شيئا ذا بال، والله تبارك وتعالى يقول: (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ الله أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُون).

الهيمنة و (الروتين) وسوء المعاملة والوجوه المتحكمة في مؤسسات الدولة في الداخل وفي مكاتبها في الخارج ـ هي الوجوه لم تتغير، وفي الغالب من استبدل منها عطل وترفع، وجعل الناس ـ لسوء حاله ـ يحنون لأيام من كان قبله، لو أردنا معالجة هذه الجزئيات وغيرها من الملفات متفرقة بالصورة التي تعالج بها الآن، لانتهى العمر ولم تنته الملفات، الملفات والنوازل تتفرخ وتتناسل كل ساعة وليست كل يوم، وكل ملف منها لأهميته، وأحيانا لهوله، ينسيك ما قبله!

أمران رئيسان ترجع إليهما كل الملفات الجزئية التي تتوالد، ويمسكان بكل خيوطها الفرعية المتشعبة، إذا ما تم علاجهما بصورة فعالة انقطع التناسل الفاسد، وتوقف التكاثر غير المشروع.

الأمر الأول: إصلاح القضاء وتفعيله، إصلاحا يأمن الناس معه على أرواحهم وممتلاكاتهم، ويشعرون معه بالطمأنينة والقرار، ويعيد للدولة سلطانها، ويخشى منه المارقون عن القانون هيبته وردعه المجرمين والمفسدين.

وإصلاح القضاء لا يكون حقيقيا ولا فعالا إلا بأمرين:

1 – أن يكون قانون إصلاحه قائما على تعديل الوثيقة الدستورية المؤقتة، حتى لا يتأتى

الالتفاف عليه بالطعن فيه لدى المحاكم المختصة، ممن لا يروق له الإصلاح.

2 – أن يكون الإصلاح مبنيا على معايير موضوعية لا شخصية، فلا يُظلم فيه أحد، ولا يُبخس معه المخلصون والشرفاء وأهل العدالة والنزاهة حقهم، في وقت كانت فيه النزاهة والعدالة عزيزة.

وتفعيله يكون: بإزالة المعوقات من طريقه لتنفيذ أحكامه بتوفير الأمن لأعضائه، وتوفير الآليات والأدوات المطلوبة لتنفيذ الأحكام.

الأمر الثاني: تعجيل المؤتمر الوطني العام بإصدار قانون العزل السياسي، بحيث لا يُعطَى الحق لمن تقلدوا بالأمس مناصب قيادية في حكومات الظلم والاستبداد أن يتقلدوها اليوم أيضا بعد الثورة، التي جاءت لتقيم دولة الحق والعدل، فيتم بمقتضاه حجبهم عن المناصب القيادية ولو إلى حين، إلى أن تتخلص البلد من آثار الماضي البغيض، وينسى الناس مرارته وآلامه ومَذَلَّته، ولتأصيله الشرعي مقالة أخرى بعد حين!

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

16 محرم 1434 هـ

الموافق 30 نوفمبر 2012 م